ذكريات لا تنسى.. صفحات مشرقة من حرب تشرين.. وقصص البطولة تروي أسطورة وطن

هذا المقال رقم : 50 من 53 من العدد 2018-10-5-16203

 

“لسنا هواة قتل وتدمير، وإنما ندفع عن أنفسنا القتل والتدمير، لسنا معتدين ولم نكن قط معتدين، ولكننا كنا ومانزال ندفع عن أنفسنا العدوان، نحن لا نريد الموت لأحد، وإنما ندفع الموت عن شعبنا، إننا نعشق الحرية ونريدها لنا ولغيرنا، وندافع اليوم كي ينعم شعبنا بالحرية، نحن دعاة سلام ونعمل من أجل السلام لشعبنا ولكل شعوب العالم، وندافع اليوم من أجل أن نعيش بسلام”، بهذه العبارات الصادقة خاطب القائد المؤسس جنوده وكل شعوب العالم، وهو على ثقة بأن قراره هذا على حق، لأن قضية شعبه قضية حق، ليأتي الانتصار بعد الهزائم، والأمل بعد اليأس، والارتواء بعد الظمأ، كل هذه المعاني والمشاعر جسّدتها حرب تشرين التحريرية التي كانت انتصاراً على الذات، فتحت الأبواب مشرعة لانتصارات لاحقة، وأنهت حقبة من الهزائم والتراجعات، حرب تشرين التحريرية باختصار هي التي أنقذت الأمة العربية من خطر الانقراض، فبعد سلسلة الهزائم المتتابعة أمام جيش الاحتلال الإسرائيلي، المدعوم من الدول الغربية، تبيّن أن هذا الجيش الذي قيل إنه لا يقهر، ما هو إلا هيكل كرتوني سرعان ما انهار عندما أطلق الجيشان السوري والمصري الطلقة الأولى.

قرار تاريخي
وبالعودة إلى حرب تشرين التحريرية التي هزمت إسرائيل، وأسقطت أسطورة جيش عدوانها، وغيّرت معادلات المنطقة، يمكن القول: إن هذه الحرب والنجاحات المتتالية التي تحققت في اختراق صفوف العدو الإسرائيلي منذ الساعات الأولى أثبتت أن تحرير كامل الأراضي العربية المحتلة يلوح بالأفق، وأن النصر بات قريباً جداً قبل أن يسارع الغرب كعادته بالتدخل لإنقاذ العدو، وفتح باب المفاوضات لإيقاف القتال على إحدى الجبهتين، فكان له ما أراد على الجبهة المصرية، ولم يكن أمام سورية التي نجحت في توحيد كلمة غالبية العرب، وإقناعهم آنذاك بأن ما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة بعد إيقاف القتال على الجبهة المصرية، وزيادة ضغط العدو على جبهة الجولان، سوى الاستمرار ومتابعة القتال والتحرير عبر حرب استنزاف استطاع فيها بواسل الجيش العربي السوري تسطير أروع ملاحم البطولة والفداء، لتكون النتيجة تحرير مدينة القنيطرة، وليتحول شهر تشرين وما تلاه من أشهر إلى عنوان للمجد والفخار، ونبراس لتجديد مشاعر العزة الوطنية بالانتصار، وتمهيد الطريق لترويج ثقافة المقاومة والتحرير في المنطقة.

معارك تشرين
يحتاج الحديث عن المجريات التفصيلية لحرب تشرين للكثير من الكلام، ولعل أهم ما ميّز حرب تشرين أنها لم تكن مجرد معركة عسكرية لتحرير الأرض بقدر ما كانت نقطة تحول كبرى في تاريخ الأمة العربية، حقق فيها الجيشان السوري والمصري الأهداف الاستراتيجية المرجوة من وراء المباغتة العسكرية للعدو الإسرائيلي، حيث توغلت القوات المصرية شرق قناة السويس، فيما دخلت القوات السورية عمق هضبة الجولان، وأفضت هذه الحرب المجيدة إلى تحرير مدينة القنيطرة، وأجزاء من مرتفعات الجولان، حيث رفع القائد المؤسس العلم العربي السوري في 26 تشرين الأول عام 1974، فيما استردت مصر السيادة الكاملة على قناة السويس، وأجزاء من سيناء، ناهيك عن أن هذه الحرب أكدت أن الكيان الصهيوني غير قادر على حماية نفسه لولا الدعم الغربي والأمريكي له.

خسائر تشرين
تقدر الخسائر السورية في هذه الحرب بنحو 6000 شهيد و 370 أسيراً، ونحو 1150 دبابة و90 طائرة، بينما القوات العراقية كانت خسائرها 111 دبابة وناقلة جنود مدرعة، و249 آلية نقل، و835 شهيداً، و73 مفقوداً، و271 جريحاً، وفقدت القوات الأردنية 50 دبابة، وعن الخسائر الإسرائيلية تقدر بـ: 600 دبابة وناقلة جند، و2000 قتيل، و2452 جريحاً، و65 أسيراً، و88 طائرة، وبلغت الخسائر المصرية 6500 شهيد ، و82 طائرة، و250 دبابة، أما الانعكاسات التي طالت الاقتصاد الاسرائيلي فاستمرت لسنوات طويلة قبل أن يستطيع الاقتصاد الإسرائيلي تحقيق معدلات نمو عادية، فقد اعترفت إسرائيل ذاتها وعبر صحافتها وعلى لسان وزير المالية الإسرائيلي آنذاك بقوله: “لقد كلّفت الأيام الأربعة الأولى لحرب تشرين الاقتصاد الإسرائيلي 4 مليارات، أي خمس ميزانية إسرائيل لعامي 1972-1973″، أما صحيفة “هآرتس” فقد قدرت ما تحتاجه إسرائيل من عتاد وأسلحة لتعويض ما فقدته أثناء الحرب بحوالي 22 ملياراً، وفيما يتعلق بالناتج القومي الإجمالي فقد تباطأ إلى حد كبير ووصل إلى أقل من 2.5% بين الأعوام 1973-1975، وذلك لجملة أسباب تتعلق بانخفاض الصادرات، وتدني نسبة الاستثمار، والتبرعات، والعجز التجاري، والعجز في ميزان المدفوعات والديون، وغير ذلك، فقد ازدادت الديون حتى بلغت عام 1975 نحو ستة مليارات دولار، ففي عام 1974 أعلن وزير المالية الإسرائيلي آنذاك أن 15-20 ألف إسرائيلي نزحوا، ولمواجهة هذه النتائج اضطرت الحكومة الإسرائيلية لاتخاذ تدابير قاسية منها: زيادة الضرائب، وزيادة حوافز التصدير، وتقليص أعمال البناء، وزيادة قروض التنمية، لكن هذه التدابير لم تكن كافية، لذا قفزت الهبات الأمريكية من 60 مليون دولار عام 1972 إلى مليار دولار أواخر حرب تشرين، وإلى نحو ملياري دولار بدءاً من 1978.

صفحة مشرقة
لم يكن نصر تشرين محض صدفة، فحرب تشرين التحريرية كانت ومازالت صفحة مشرقة في تاريخ أمتنا العربية، وحدثاً فريداً، ونقطة تحول عظمى في تاريخ الصراع العربي- الإسرائيلي، وستبقى الأهداف التي قامت من أجلها حرب تشرين محركاً قوياً للنضال العربي على الرغم من المحاولات التي بذلت وتبذل الآن لإجهاض نتائج هذه الحرب، فجاء تشرين التحرير اليوم، وعادت قصص البطولة لتروي ذكريات لا تنسى، لتبقى سورية التي خاضت ودعمت جميع الحروب وعمليات المقاومة ضد الاحتلال الإسرائيلي والاعتداءات الغربية، عنواناً للصمود والمقاومة، ومثالاً للتضحية والاستعداد لبذل الدماء المطلوبة لتحقيق الانتصارات، ورسم مستقبل مشرق لجميع العرب والأحرار في منطقة أراد الغرب على الدوام الهيمنة عليها.

ميس بركات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لا تعليقات