“زرايب العبيد”.. الظلم والقهر والهوية المفقودة

هذا المقال رقم : 36 من 75 من العدد 2018-6-8-16122

 

 

لم تكن عتيقة تميل لكثرة الكلام، بل اعتادت البقاء صامتة والتحلي بالصلابة والقوة كما كانت أمها من قبل صخرة ثابتة تتلقى ضربات الحياة بكِبَر وهي تقف على هامش الحياة، لكنها لم تعرف كيف انطلق لسانها وانفكت عقدته أمام الضيف الذي بدا من نوع آخر يختلف عن أبناء جلدتها بإطلالته الجميلة وتمايز عن أبناء جلدته وعائلته التي لا تعترف بها أو بوجودها، إذ أصغى لها ولوجعها كما يصيخ السمع متلهف لمعرفة الآخر، يتعرف عليها ويترك لنا المجال كي نقرأها بلسان حالها وهي تقول:

“أنا عتيقة بنت تعويضة، حكايتي هي نسبي والميراث الذي لا ينازعني في صحته أحد، أدركت الشيء الذي أحمله مخالفا لسمرتي، عرفت أنه في عيني، هوية لا يمكن تزييفها بقول أو بفعل، عطية منتقاة من رجل حُر من مصراتة الحمر البيض كالألمان، ذلك اللون الذي رأيته يشع في المرآة، لون عينين لا يوجد مثلهما في زرايب العبيد، جعلني القدر له وجعله لي، كانت عيناي نجمتين أسطوريتين في السماء الماكنة ما بين وسط البلاد وزرايب العبيد”.

“زرايب العبيد” هو الاسم الذي أطلقته “نجوى بن شتوان” على روايتها وتسرد خلالها حالات جرت في زمن العبودية الذي مرت به بلادها، متمثلاً بمكان محدد هو بنغازي، حيث تقف في زمن هو زمن الاحتلال الإيطالي، وترتد بالأحداث إلى الخلف قرنين من الزمن تفلش أوراقاً من التاريخ كان الظلم سيداً فيها، زال ولم تزل آثاره.

عتيقة تلك لم تكن تنتظر من سيأتي يوماً ما ليحكي لها قصة نسبها من البداية عبر قصة الخال محمد الذي فتنته خادمته لدرجة إهماله زوجته ما حدا بالعائلة إلى إبعاد “تعويضة” ذات البشرة القاتمة عن المنزل  الكبير، صحيح أنهم نجحوا في الأمر مع الفتاة لكن الزواج غير المرغوب بين الاثنين كان أثمر عن فتاة ولدت في المكان الذي يدعى “زرايب العبيد” وصحيح أيضاَ أنها فتاة سليلة العبيد لكنها جاءت إلى الحياة تمتلك ما يلفت نظر الآخرين إليها، ميزة لطالما رغبت بمعرفتها حين كانت صغيرة “ذات مرّة صارحتُ صديقتي درمه بأنني أريد مرآة، طلبت منها مساعدتي في العثور وإن على شقفة صغيرة، سألتني بالطبع لمَ أريدها، فأخبرتها بأني أريد رؤية وجهي فيها” كان في داخلها هذا الفضول لمعرفة ما يميزها عن الأخريات من العبيد، وإذ يتحقق لها ما تريد تسارع إلى المرآة تستكشف “بسرعة بحثتُ عن ذلك الشيء الذي يلفت نظر الناظرين فيَّ، فاستوقفني مثل جميع الذين استوقفهم وكان في عينيّ” بالطبع لن يكون لونها الأسمر الذي أخذته من الأم لكنهما العينان اللوزيتان ذات اللون الأخضر الذي بالطبع ورثته عن الأب. ستكون الزيارة نوعاً من الاعتراف أو التكفير عن ذنب لم يقترفه الاثنان لا الفتى الزائر ولا هي ثمرة تلك العلاقة التي لم تكن مقبولة في ذاك الزمن.

ستحظى “عتيقة” بنشأة لا بأس بها وتحت رعاية الراهبات، تتعلم القراءة والكتابة بلغة الطليان، تتعرف على يوسف الذي يكبرها كثيراً في السن والخبرات، يساندها ويأخذ بيدها للخروج والعمل والحياة ثم يطلبها للزواج بعد عودته من السفر، ذلك أن الرسائل بينهما لم تنقطع طوال فترة دراسته في إيطاليا.

ستكون “عتيقة” هي الراوي في أكثر من مكان في الرواية مستعيدة طفولتها ونشأتها، ومن خلال الأحداث التي ترويها تسلط الضوء على القهر والظلم الذي عانته عبر قصص الأخريات ووقع التقاليد على حياتهن ليس في المجتمع الليبي بل هي الحال التي يمكن أن تنسحب على العديد من مجتمعات العالم العربي.

الفكرة الرئيسية للرواية هي مجتمع العبيد وما ينتجه من مشكلات وحكايات مأساوية غالبيتها تتعلق بالمرأة، وقضايا تظهر الكاتبة عبرها معاناة بنات جنسها والظلم الذي يتعرضن له في مجتمعات لا تسلم فيه القياد للرجل فحسب بل ترفع المعتقدات والتقاليد التي توارثتها الأجيال سيفاً في وجه المرأة، مستنكرة الاستسلام الذي تبديه الفتيات لتلك الموروثات على اعتبار أنه “قدر” لا راد له، كقصة تلك التي هامت بسيدها ووجد فيها ما لم يكن يتخيله في خادمة، تمتلك قلبه وعقله ويتزوجها، فتثير الحسد والغيرة وغضب العائلة التي تراها مجرد أداة لتلبية الطلبات أو للتسلية وتعتبر الأمر مجرد نزوة وتنتهي، لكن الأمر يستمر ويثمر، لتنال عقابها فتعلق مثل شاة في سقف قبو البيت وإلى جانبها طفلها الوليد الذي سيموت جوعاً إذ لم يسمح لها بإرضاعه.

في حوار قصير معها تكشف صاحبة الرواية كيف أنها لم تحظَ بالعيش فترة كافية في بلدها تتيح لها أن تسطر روايتها استناداً إلى حكاية سمعتها أو حكتها يوماً جدة من بنات ذاك الزمان:

“لم أعش في ليبيا بشكل كاف لاستمع إلى حكايات الجدات ولا حتى أمي، فأنا أعيش في روما”.

لكنها اعتمدت في القصص الواردة فيها على مجرد فكرة قفزت إلى ذهنها وهي تنظر إلى صورة قديمة وصلتها للمكان الذي كان يسمى قبل مئتي عام من الاحتلال الإيطالي لليبيا “زرايب العبيد” وهو: “اسم المكان الذي عاشت فيه تعويضة – أم بطلة الرواية- بعد هروبها من «زرايب العبيد» وهو مكان حقيقي على أطراف مدينة بنغازي، حي هامشي يسكنه المهمشون والبؤساء، زرايب لأنه عبارة عن عشش تصلح لعيش البهائم”.

هكذا تشرح سبب تسميتها للعمل، وإذ هي أمعنت النظر إلى الصورة أمامها وكما يحدث في الخيال ربما اخترقت جدار الزمن والصورة لتعيش الحياة الكاملة لواحدة من كثير من خادمات كن عبدات في بيوت أسياد بيض لم يقف في وجه غرائزهم أي عرف أو قيمة إنسانية، لتعيش القهر والارتباك والحزن ذاته على أوراق روايتها.

نجوى بن شتوان كاتبة ليبية حاصلة على شهادة الماجستير في التربية، تعمل في جامعة قار يونس وتقيم في إيطاليا، لها العديد من المؤلفات في مجال القصة والرواية والمسرح، كانت رواية “وبر الأحصنة” الصادرة في العام 2005 هي أولى أعمالها الروائية، بينما حملت الثانية اسم “مضمون برتقالي” وصدرت في العام 2008 ، غالبية اهتماماتها تتجه نحو تاريخ العبودية في ليبيا والذي هو موضوع “زرايب العبيد” روايتها الثالثة التي حازت  جائزة الرواية العربية للعام 2005 ووصلت إلى القائمة القصيرة لجائزة البوكر العربية في العام 2017، رواية عن المكان والهوية الملتبسة لدى “عتيقة” مختلطة النسب وكثيرات ممن أتين إلى الدنيا يحملن عار ووجع العبودية ليس في أزمنة مضت فقط، بل هو الأمر يسري حتى في الحاضر وإن كان بصورة مختلفة.

“زرايب العبيد” رواية  تشكل نوعاً من رد الاعتبار لمن أرغموا بطريقة أو بأخرى على العيش على هامش الحياة، بأسلوب بسيط بعيد عن التنميق أو المغالاة في سرد حكايا سيدات كن ضحايا للتقاليد والمواريث في ماض لعله مازال يحتل حيزاً منظوراً في الزمن الحاضر، على أن قراءة الرواية لن تكون بتلك السلاسة وقد شابها نوعاً من الغموض والإرباك بالحضور الطاغي للّهجة المحلية وعبارات يستخدمها أهل البلاد.

بشرى الحكيم

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لا تعليقات