سادة آخر الزمان!؟.

هذا المقال رقم : 1 من 53 من العدد 2018-6-13-16125

 

د. نهلة عيسى

لدي قناعة, شكلتها السنوات السبع الأخيرة, أن خير مهنة في الدنيا في بلادنا, هي أن يكون المرء بلطجياً, حينها سيكون ليس فقط سعيد الحظ ومُصحوباً بدعاء الوالدين, بل سيكون أيضاً ملك الزمان والمكان, والمتجهم الذي يضحك الناس له, والفظ الذي يسترضونه, والمتحكم (بلاحق) الذي يمتثلون له, والشخص الذي يأمر فيطاع, وإذا تكرم وابتسم . يشكر!

بصدق.. البلطجي في بلادنا ملك, فهو دائم التوتر, نزق, مشمئز من كل مخلوق بشري, يبغض النساء اللواتي يغادرن منازلهن ويقطعن الشارع, وساخط أزلي على المارة وأصحاب السيارات, وعلى الصامتين والمتكلمين, والمقيمين والراحلين, ويتمنى لو يستطيع تعليق مشانقهم, أو صفهم إلى حائط وإعدامهم, أو على الأقل منعهم من التجول, ناهيك طبعاً عن ثرثرته الدائمة المقصودة عن غلاء المعيشة, والبشر عديمي الذوق, الذين يستحقون من وجهة نظره الحرق, فتهز له رؤوس السامعين بالموافقة والتعاطف, خوفاً من أن يغضب فيما لو امتنعوا عن التعليق, أو بالأحرى التصفيق!

البلطجي في بلادنا ملك, فهو لايعرف كبيراً ولا صغيراً, يختار أصدقاءه وأعداءه على ذوقه, فهو المهاب المطاع, الآمر الناهي, الذي لا يرد عليه, ولا يسأل عن ما يفعل, مثله مثل كل أخطبوط تلطخت أياديه بدماء طعامنا وشرابنا وصحتنا وأعصابنا وكراماتنا, ورغم ذلك يطاردنا بالادعاء, والتنطع, وتحميل الجمائل, ويضعنا أمام خيارين لا ثالث لهما, إما هز الرأس كبندول الساعة, لا تعرف إن كان غادياً أو ذاهباً, وإما قطع حناجرنا طوعاً, لأن قول الحقيقة مغامرة غير مأمونة العواقب, رغم أننا في زمن لاشيء آمن فيه, سوى الموت!

البلطجي (وأمثاله كثر), وبعضهم بالبدل والكرافتات..ملوك, ويحق لهم, لأننا نردم الجرح بالجرح, ونسترضي الفاجر والتاجر, ونرقص على إيقاع الناعقين كغراب البين, بعد ملاءمة الزمان, والظروف, والأحداث, لفتح الملفات والتدقيق في الدوافع, والأهداف, والولاءات, والمرجعيات, رغم أن الخسارات قد فاقت حدود المواءمة والملاءمة, بحيث ما عاد شيء يدهش أو يخيف أو يكسر ظهراً, فخيامنا منصوبة فوق الخيام في حقول الزجاج المطحون على الحدود, وجسد هذا الوطن المظلوم بنا, متشظ في القارات الخمس, وقد أعتدنا على لملمة أشلاء أحبتنا ليس فقط من تحت رصاص الغدر, وهاون الحقد, ولكن أيضاً من إذلال شاشات التلفاز, وعنابر عفش الطائرات العائدة من هجرة الموت بالموت, ومن زبد البحار المحملة بقوارب رحيلنا خلسة من الوطن, ومنتحت أكوام الثلج في أوروبا, وأرصفة البرد والظلمة في بلدان كنا لهاعنواناً, ومن خلف القضبان والأسلاك الشائكة لدول كانت تدين لنا, فردت حكوماتها ديننا بؤساً وهواناً لبعض أهلنا, ولا غرابة في ذلك, فالشريد خارج الوطن تطارد الرياح ظله.

البلطجي وأمثاله ملوك, توجتهم الحرب, وصمتنا على الأخطاء التي باتت جبالاً, وكأن ذلنا أصبح روتيناً وحقاً مكتسباً لهم, لدرجة أن الشكوى منهم باتت مدعاة للسخرية, مثل رجل يساق إلى الشنق بينما هو يصرخ   شاكياً من ضيق حذائه, أو كمن رأسه تحت المقصلة وهو يتذمر من صداعه, بل كمن يطلع لقبر مفتوح مبطن بالمرايا, يجعل الناظر منا فيه, يرى نفسه محمولاً على الأكتاف قتيلاً, وعلى كفنه بطاقة شكر للقاتل, لأنه أحسن ذبحه وسرّع بموته, وسمح “من طيب أخلاقه” لأهله بدفنه وتقبل التعازي فيه!

البلطجي ورفاقه ملوك, يفعلون ما يشاؤون, هم سادة المكان والزمان, أبطال حرب وسلام, أباطرة المال والتسهيلات والتشهيلات, وفتح الأبواب المقفلة, لدرجة أنهم باتوا يثيرون حسرتي على العمر الذي ضاع في علم لم يمنع عني وعن غيري سطوتهم, وبأسهم, وسعة حيلتهم, ولذلك أفكر بتغيير مهنتي, والتحول إلى واحدة منهم, متذمرة, فظة, نمرودة, دائمة الغضب, متسلطة, مرهوبة الجانب, مطاعة, وملكة حرب متوجة بخوف الآخرين!!.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لا تعليقات