ساعة الرمل…

عندما تنساب الرمال من ساعة الرمل بانسيابية مطلقة بمسار مصمم سابقًا، بنظام وتروٍّ، يحكمه وهم الزمن ويسيره نظام هندسي معين.. هذه الرمال تبدو خاضعة لهذه الأنظمة.

المحددة زمانيا ومكانيا، تعتقد أن لا مسار لها سوى هذا المسار، ولا مكان سوى هذا المكان، ولا زمان سوى هذه الفترة المحددة، لتقلب مرة ثانية أو لتنسى وترقد بهذه القارورة..

هي لا تعي ماهية القارورة إن كانت زجاجا أو ذهبا.. ولا يعنيها مَن المتحكم الخارجي بها.. وما الذي ينتظره في لحظة قرار، أعطاها لتنساب من جديد.. إلى حين تأتي قوة خارجية خارقة تسبب كسر هذا النظام وتبعثر ذرات الرمل متهاويةً في ثنايا لم تعرفها من قبل؛

هل تخاف من هذه العبثية؟ هل تكتشف أفقا جديدا لها؟ هل تلعن المصمم الذي وضعها في هذه القارورة المقيتة، أم تتقن ديناميكية التغيير في مسارها، أم تستسلم لليد التي ستنتشلها إلى مثواها الأخير؟

هي حياتنا تشبه إلى حد كبير هذه الساعة الرملية، يحكم مسارنا أشياء كثيرة نتقوقع فيها، وأي خلل نعتبره غير مألوف، إلى أن تأتي قوة الوعي، وتنسف هذه القوقعة، فنكتشف الحياة خارجها بتساؤلات كثيرة، تبدأ باستفهام صغير ولا تعرف النهاية أبدًا..غالبا ما يكون هذا الوعي في منتصف الأربعين، في هذه المرحلة تنكسر القارورة التي كنا فيها، وتتبعثر حياتنا كحبات الرمل ونتنحى عند ناصية الحياة لنستعرض إنجازاتنا فيها، ولكن هل لحبات الرمل إنجازات؟ وهل ممكن للحياة أن تهب لنا الزمن لنعيش مرة ثانية خارج هذه القوارير؟ في لحظة التناثر هذه تبدأ صحوة العمر باسترجاع شريط الحياة والغوص في ثناياه المعتمة، لنسلط القليل من النور على ما فاتنا ونقف مذهولين أمام أشياء كثيرة لم نعيها،

لم نكن نعي حجم التنازلات التي قدمناها من عمرنا في سبيل الحفاظ على توازن وهمي في زمن عبثية الحياة..

لم نكن نعي أن كل لحظة أهدرناها في إرضاء مَن حولنا كانت عبثا..

لم نكن نعي أن هذه الحياة ملك لنا وقد وهبناها بشكل أو بآخر لغيرنا؛ منهم من حافظ عليها ومنهم من استهتر بها..

لم نكن نعي أننا لسنا مراقبين، كل ما هنالك كانوا لا يريدون لنا لحظات شخصية نمارس فيها طقوسنا المحببة والتي لم نتجرأ حتى على الإفصاح بها لئلا نغيب عنهم لوهلة..

لم نكن نعي أن الحب عشناه مرة واحدة وبحثنا عنه في أروقة الحياة عمرا، لأننا محتاجين إلى وهم كبير للاستمرار..

لم نكن نعي أن القطار الذي فاتنا في مراحل حياتنا المختلفة من المستحيل اللحاق به مرة ثانية..

لم نكن نعي أن الحياة تكمن في لحظات الجنون التي ضحينا بها من أجل العقل والرزانة في زمن السخرية..

لم نكن نعي أن الأحلام التي تنازلنا عنها تتهاوى وتصطدم على صخرة الواقع التي كانت من صنعنا..

لم نكن نعي أن الأغلال التي وضعناها لأنفسنا كان يجب التحرر منها لنطلق العنان لأرواحنا لتعتنق الحرية..

لم نكن نعي أن كل مراحل العمر بحاجة لإشباع الحياة فيها.. ولأننا لم نستطع أن نعيش ربيع العمر، نقف الآن على أعتاب خريفه بدمعة حزن وخوف، متوسلين للزمن؛

هل لي ببعض منك لأعيش؟!

لأحقق جزءًا صغيرًا من ذاتي؟!

لأستمتع بالمطر والبرق، لأسرق ومضات من السعادة من بين ثناياك؟!

لأتحرر من قوالب الوعي الذي وضعت نفسي فيها؟!

لأمتزج بالتراب من بعد الغيث وأعيد تكويني من جديد،

ويأتي الرد ساخرًا؛

أعيدي ترتيب أوراقك لتعيشين الباقي المتبقي مني، والقليل من المتاح بين يديك!

 

ميرنا غالي

لا تعليقات