“سيمفونية الموتى”.. اللغة عندما تتحول إلى أغنية للموتى

هذا المقال رقم : 30 من 70 من العدد 2018-10-12-16208

 

انحازت التّراجم العربية عن الأدب الإيراني أو الفارسي عموما إلى الشّعر الذي كان له النّصيب الأكبر من الاهتمام والتّرجمة وقد تعرف القارئ العربي على الكثير من الشّعراء الإيرانيين الذين ينتمون إلى مراحل ومدارس شعرية متنوعة أمثال الفردوسي صاحب “الشاهنامة”, وفريد الدين العطار وجلال الدين الرومي, وسعدي وحافظ الشيرازي, وعمر الخيّام, الى نيمايوشيج ابي الشّعر الفارسي الحديث, لكن النّصوص السّردية بقيت دون الاهتمام المرجو, رغم أهميتها كفن أدبي قادر على نقل صورة المجتمع إلى العالم أكثر من غيره, ورغم وجود العديد من الرّوائيين الإيرانيين الذين وصلت نصوصهم إلى العالمية أمثال صادق هدايت صاحب رواية “البومة العمياء”( 1937)التي ترجمت الى معظم لغات العالم وبرزك علوي صاحب رواية “عيناها”(1952), ورضى براهني صاحب “السيدة آزادة وكاتبها” الى محمود دولت آبادي صاحب اضخم رواية في الادب الايراني وهي”كليدر” المؤلفة من عشرة مجلدات في( 2525 )صفحة.وغيرهم.
ونحن الآن بصدد رواية هامة صدرت حديثا عن دار المتوسط (2018)بترجمتها العربية هي “سيمفونية الموتى”للروائي الايراني عباس معروفي ترجمة أحمد موسى التي صنفها النقاد عند صدورها بنسختها الايرانية, أنّها أفضل عشر روايات في تاريخ الرواية الايرانية, نص روائي ساحر يمسك بك من الحركة الاولى فيأسرك طواعية دون ان تدعه يفلت منك الى آخر سطر في الحركة الأخيرة, ينقلك كاتبه,بمقدرة فائقة على التّصوير,الى عوالم خلت, يبعث فيها الرّوح والحياة لتنطق عن مكنوناتها وما يمور بداخلها من صراع لأجل البقاء واثبات الوجود والتغيير, بلغة شاعرية ليست أقلها الملاحم الشعرية, يضعنا في تفاصيل المكان وكأنّه يقدم لقطات سينمائية استعراضية حية من خلال وصف الأماكن والحركات بأدق التّفاصيل على نمط “كان قد وصل الى الشّارع. ضرب برجله بقوة حتى لا يبقى الثلج عالقا على جزمته. كانت حبّات البرتقال المتعفّن تطفو فوق سطح الماء, ثم تغطس والماء يجري بسرعة والسماء قد أضحت, تماما سحابة دكناء”.أو على منوال “حين شرعت الامطار بالهطول, توقفت عن التمرجح. كانت واجهة البركة مليئة بالفقاقيع المستديرة الصغيرة والسّمكات تتطاير, لتبتلع حبات المطر…” وهكذا تتتالى الصور وتمور بالأحداث التي لاتدع مجالا للملل أن يتسلل الى القارئ..
تبدأ الحكاية من خان تجارة المكسّرات في بلدة اردبيل شمال إيران في أربعينيات القرن الماضي بأسلوب “الخطف خلفا” وتداعي الذاكرة, حيث تقيم عائلة جابر أورخاني المؤلفة من الاب والام وثلاثة أبناء وبنت واحدة يعزف كل واحد منهم سيمفونية حياته في طريقه نحو مماته التراجيدي الذي وضع نوتته معروفي ببراعته الخّلاقة. لتبدأ الحكاية مع اورهان الولد الاصغر لجابر الذي قتل أخيه الاكبر يوسف العاجز عن الحركة اثر سقوطه بعد محاولة تقليد هبوط المظليين الرّوس,لأنه ضاق زرعا بالاهتمام به بعد موت الام والاب. اورهان الابن الذي يقتفي خطى الوالد في عالم التّجارة والمال دون أن يعر وزنا للقيم الانسانية والأخلاقية في حفظ حقوق أخوته بأموال الوالد, يرى أن مجرد معرفة القراءة والكتابة كاف لإدارة شؤون الحياة,المهم جمع المال وهذا ما كان يرضى الوالد الرّجل المحافظ الذي يرى الحياة من منظور ما يملك ويؤمن, فالبنت بالنسبة اليه للمطبخ وخدمة الزوج”..كان يشير الى المطبخ, ويقول:”إذا استطعتما القيام بواجبات هذا المكان كما ينبغي فستصيران امرأتين جيدتين”,وهذا كان مصير ابنته ايدا التي وضعت نهاية لحياتها وخفت صوت سيمفونيتها حرقا, بعد أن هجرها زوجها وهاجر الى أمريكا. والرّجل للعمل والتّعبد,ولذلك كان ولده الاوسط ايدين ذو الميول اليسارية سبب شقائه وتعاسته,بعد أن حاول مرارا ثنيه عما يمور في رأسه من أفكار, واستمالته للعمل معه في الخان, لكن تعلق ايدين بالشّعر والادب وقراءته التي كوّنت ملامح شخصيته وخطّت اسلوب حياته المغايرة, اضطرته لمغادرة المنزل والهروب من إلحاح والده وملاحقته المستمرة له بعد أن أحرق كتبه أكثر من مرة, ليقوده هروبه الى عائلة ارمنية احتضنته ورعته واستثمرت براعته في صناعة البراويز الخشبية, وهناك جمعته علاقة حب ملحمية ب “سورملينا” ابنة تلك العائلة فيتزوجها زواجين الأول مسيحي والثاني إسلامي دون ان يختلق الكاتب أية عقبات اجتماعية أو قانونية تعيق وتستهجن هكذا زواج بين اثنين مختلفين في الديانة متفقين في الحب الانساني, فقد سلم الجميع بالأمر واستمرت حياتهما معا الى أن ماتت سورملينا بداء الجذام وتلاشى صوت معزوفتها.
“سأله الوالد عما تبحث؟. اجابه: عن نفسي.
في البدء, كان يخيّل إليّ أن له رفيقا جنيا يعذبه, وأحيانا كنت أتخيّل أن الجنّ قد سكنه بالفعل. لكن لا شيء من هذا حدث. علمت أنه يعذّب نفسه, ويتمادى في ذلك. أشياؤه كلها كانت معكوسة. حتى عشقه كان لغير آدمي. كان مكتويا بنار حبّ ارمنية شقراء, تدعى سورمة. لم يكن ممكنا توقّع الكثير من شخص يبحث عن نفسه, فلا يجد إلا الجنون..” وهكذا انتهت حياة ايدن مجنونا بعد أن وضع اورهان السّم في طعامه ليموت بعد ذلك غرقا وتطوى معه سمفونية موت بمفارقاتها وعبرها التي تجلّت عندما اكتشف اورهان حقيقة عقمه وتلاشي أحلامه بإنجاب وريث يكمل مشواره كما اكمل هو مشوار والده.فيموت حيا .بقطع نسله.
تحمل الرواية أفكارا ومقولات عديدة عبر فترة زمنية محددة بين ما قبل الحرب العالمية الثانية ودخول الروس والبريطانيين الى إيران وما تلاها من أحداث رافقت الحراك السياسي والاجتماعي بعد الحرب والذي تجلى صراعا بين أجيال وأفكار متضادة في مجتمع تكبله معوقات كثيرة اولها العادات الاجتماعية الموروثة وليس آخرها تحكم الغرب بمقومات الحياة كالصناعة متمثلة بالمعامل التي أقامها البريطانيون واستقطاب اليد العاملة, ومحاولاتهم استمالة الشّباب لإعادة تكوين المجتمع الايراني على الطريقة الغربية.
سيمفونية الموتى رواية الاصوات المتعددة يمسك عباس معروفي بمفاصلها ويحرك شخوصها برشاقة الصناع المهرة دون أن يمارس دكتاتورية الكاتب عليها, يدع كل شخصية تتكلم عن ذاتها سواء بالحوار او السرد او تداعي الافكار, تسرد الاحداث وترسم حركة المجتمع من منظور شخصيات متعددة بما تحمله من أفكار وطبائع ورؤى متباينة, في البداية يتولى السرد اورهان ثم ايدن وبعده سورملينا ليعود مرة اخرى الى اورهان وينتهي القص معه, ويحتفظ الكاتب لنفسه بضمير القول بما يحمله من أفكار وفلسفة للحياة. هذه التقنية المعروفة في الادب العالمي عموما تسمح للكاتب بتقديم أحداث متعددة المستويات, ومواقف يبرز التضاد فيها اجتماعيا وثقافيا وسلوكيا كما هو حال اورهان واخويه ايدن وايدا والاب مع ايدين, كما يبرز التوافق عندما يلتقي ايدين مع العائلة الارمنية التي تتلقف ميوله الايديولوجية والاجتماعية بلهفة الظمآن.
ورغم ان الرواية تأخذ مساحة زمنية لابأس فيها تمتد لأكثر من أربعين عاما إلّا أن معروفي لا يعول على التغيرات الزمانية كحالة اجتماعية بقدر ما يتابع تغيرات شخوصه ومصائرهم دون أن يربطهم بحال المجتمع المتغير. وهو بهذا يسعى لتبسيط السرد وعدم ارباكه في فلسفة المقولات والشعارات الرنانة التي تفرغ النص أحيانا من جمالية الاتساق الشعري,فالرواية التي بين ايدينا تصنف بأنها رواية المكان والاتساق الشعري الدرامي العميق بامتياز, فلا نستطيع قراءتها دون ان نؤخذ بجمالية اللغة الشعرية والوصفية وكأن الكاتب يقود اوركسترا سيمفونية تعزف ألحانا عدة, فاللغة عنده عنصر اساسي وليس مجرد أداة تخدم باقي العناصر فلا يعود النص أسير الشخوص والحكاية ولا القارئ أسير القول بل أسير لغة القول دون ان تنتفي حالة الدهشة التي ترافقك طيلة مشوارك مع سيمفونية الموت التي تحمل عنوانا دلاليا يشي بالمضمون ويعبر عنه.
آصف إبراهيم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لا تعليقات