شرشف قصب (1)

هذا المقال رقم : 16 من 60 من العدد 2018-9-6-16182

د. نضال الصالح

دفعتْ بثينة بكتاب كان في حقيبتها إلى محمد، وقالت: “لعلّك تجد فيه ما تبحث عنه”، ولم يكد الكتاب يستقرّ في راحة يسراه، حتى أخذ يقرأ: “سويداء سورية، موسوعة شاملة عن جبل العرب”، ثمّ لم يكد ينتهي من قراءة أسماء أسرة تحرير الكتاب والمشرف على التحرير والدار الناشرة له، حتى مسح بعينيه المكان حوله، ثمّ أطلق آهة طويلة وقال، وهو يومئ بحركة خفيفة من رأسه نحو الحشد، بتعبيره الدائم، حولهما في المكتب: “آه لو يغزو هؤلاء نوم مفاجئ دفعة واحدة”، ولم تدعه يكمل عبارته التي تعرف تتمتها، وكان خدّاها صخبا بحُمرة ضاحكة، وأسرعت إلى لازمتها بما يشبه الهمس: “استحِ”، وإلى أصابع يمينها، كما اعتادت، فقرّبت بين الإبهام والشاهدة، وغرزتهما، بمطلق ما أوتي لها من اقوّة، في خاصرته، ولولا الحشد حوله، لكان أطلق صرخة مدوية، واكتفى، وهو يمتصّ بعقدة حاجبيه وطأة الألم الذي سرى من خاصرته إلى جسده كله، وقال: “أصابع في الفم أشهى من الموز”، ثمّ تابع: “وفي الخصر أرهفُ من حدّ سيف”.

قبل نحو سنة لم تكن بثينة تحتمل رؤية محمّد بين زملائها في قسم التحقيقات في الصحيفة التي تجمعهما معاً، ولطالما كانت تردد لنفسها وهي تراه، من دون الآخرين، يمضي معظم وقت دوامه وهو يقلّب صفحات هذا الكتاب أو ذاك بين راحتيه أو وهو مطرقٌ رأسه فوق أوراق أمامه ويكتب: “هذا المخلوق ستقتله الكتب يوماً”، وبينما كانت تتلصص بطرفي عينيها عليه كانت تتابع لنفسها أيضاً: “ماذا يعرف هذا المخلوق الورقيّ من الحياة؟”، وما إنْ كانت الكلمات تزدحم على شفتيها عندما كان أحد الزملاء يطلق نكتة ترتج لها خواصرهم جميعاً بينما هو، محمّد، يتابع القراءة كأنّه لم يسمع شيئاً، فتكاد تقول: “هيه يا أخونا، خلّيك معنا شوي”، كانت ترغم الكلمات على العودة إلى أعماق صدرها، وتكتفي بهزّة من رأسها وهي ترثي لحاله التي كانت على النقيض من حالها المترفة بالعشق للحياة، لقضاء معظم الوقت مع زميلاتها ممّن درسن معها في الجامعة، وممّن تعرّفت إليهن في الصحيفة التي تعمل فيها، وللسهر حتى وقت متأخر من الليل وهي تتبادل الرسائل، عبر غير وسيلة، مع تلك الصديقات، وأحياناً مع بعض الأصدقاء، أو وهي تنتقل بين موقع إلكتروني وآخر بحثاً عن آخر صرعات الأزياء والتجميل، وعن آخر أخبار هذا المطرب الوسيم أو ذاك.

لنحو سنة وبثينة تكتفي من محمّد بوصفه زميلاً لها في القسم، ولم تكن الكلمات بينهما لتزيد على “صباح الخير”، أو “مساء الخير”، أو.. حتى كان ذلك اليوم، بل ذلك المساء الذي جمعهما معاً وحيدين في المكتب بطلب من رئيس التحرير لإعداد تحقيق عاجل عن انهيار بناء حديث في أحد العشوائيات التي كانت تزداد تورّماً في دمشق يوماً بعد يوم، ولاسيما بعد أن بدأت الحرب تدفع بالكثير من الناس إلى مغادرة بعض أحياء مدنهم وبلداتهم وقراهم هرباً من جحيم الإرهاب الذي نبت في تلك الأحياء والبلدات والقرى على غفلة من…… (يتبع)

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لا تعليقات