صعود نوادي الكتاب والفضل لنجمات عالميّات

هذا المقال رقم : 33 من 66 من العدد 2018-2-25-16045

 

التذرع بمشاغل الحياة وهمومها هو التهرب الأكثر شيوعاً عند سؤال أي شخص عن رأيه بالقراءة وممارسته لها كعادة أو هواية، ولكن تفريغ ولو خمس دقائق للقراءة يوميّاً يشكل فارقاً كبيراً سنويّاً.. ويُرجع باحثون عدم اكتراث الكثيرين بالقراءة إلى عدم تجربة القراءة من الأساس أو عدم القراءة بشكل كافٍ منذ الصغر، أو القناعة بأن الأفلام الوثائقيّة والانترنت يكفيان.
عندما قررت المصورة الأمريكيّة المشهورة لين جيلبيرت، والمقيمة في مدينة نيويورك تأسيس مجموعة لقراءة الكتب عام 1989، لم يكن لديها أي فكرة عن مكان البدء، وقالت “أفكر بصالون حيث يمكن للناس أن يجتمعوا لمناقشة فنون الآداب والفكر.. ولكن كيف يمكنني جمع الناس!” ففي ذلك الوقت لم تكن مجموعات القراءة موضة دارجة، وكان تشجيع الناس عليها مثل قلع الأضراس.
عمدت جيلبرت للترويج لمجموعتها في صالة الألعاب الرياضية التي كانت ترتادها وبأي حدث ثقافي كانت تذهب إليه، لتتمكن أخيراً من تنظيم مجموعة لا تزال حاضرة وبقوّة بعد 26 عاماً.
ليست قصّة جيلبرت فريدة من نوعها، فقد أصبحت مجموعات القراءة الترفيهية ظاهرة الآن، وهي موجودة في كل مكان وعلى نحو متزايد، من المكاتب إلى الطوائف الدينية إلى المنصات الافتراضية. وعلى الرغم من صعوبة معرفة الأرقام الفعلية، ذكرت صحيفة نيويورك تايمز أن ما يقدر بـ 5 ملايين أمريكي ينتمون إلى ناد للكتاب، وأكثر من ذلك ينتمون إلى مجموعات للقراءة على الانترنت مثل تلك الموجودة على الموقع الأكثر شهرة حول العالم “goodreaders” والتي تضم أكثر من 40 مليون عضو. ومن المؤكد أن لنوادي الكتب الكبيرة القدرة على التأثير في سوق النشر، عندما أعلن مارك زوكربيرغ مؤسس فيس بوك في كانون الثاني الماضي أنه أسس مجموعة للقراءة على الانترنت، كلّ الكتب التي وضعها لمناقشتها خلال العام، أضحت بين ليلة وضحاها الأكثر مبيعاً على موقع أمازون.
وتناقش نوادي الكتب عادةً، كتاباً أو اثنين على الأكثر شهريّاً، ولا يشترط إنهاء الكتاب قبل المناقشة، فالمهم هو الجوّ الذي يفرضه النادي والنتائج التي يولدها النقاش والتعرف على طريقة تفكير كل من الأعضاء.
ومن الملاحظ أن أكثر الأعضاء المنتسبين أو المؤسسين للنوادي من النساء، وتساهم نوادي الكتب في صياغة الوعي والشخصية الثقافية والاجتماعية للقارئ وبخاصة المرأة التي تظلّ رغم كلّ التطور في المجتمعات المدنيّة، حبيسة لأفكار مسبقة وضحيّة ذكوريّة الحياة.
في أواخر الستينيات، صاغت النساء الراديكاليات في نيويورك مصطلح “رفع الوعي”، ودعت إلى تحرير المرأة بشكل مختلف قليلاً عن منظمات الحقوق المدنية الأكثر بيروقراطية. وأثَّر التنظيم الجماعي للحركة النسوية في القرن التاسع عشر على هذه الجماعات، ولكنها اختلفت في كل من الحجم والهدف.
وإذا كان لازدهار نوادي الكتاب في العقود الأخيرة أيّ نقطة انطلاق واضحة، فإنها ستكون عام 1996، عندما أطلقت أوبرا وينفري مقدمة البرامج الأمريكيّة الأشهر عالميّاً، نادي “كتاب المشاهير” وأطلقته من برنامجها التلفزيوني، ليضم 70 عنواناً وعلى مدى أكثر من 15 عاماً فاض عن 55 مليون عنوان. قدّم نادي كتاب أوبرا نموذجاً لملايين النساء لمناقشة الكتب ومشاركة القصص الشخصية، وأطلق على الظاهرة التي أسسها وجود هذا النادي ما معناه: “مساهمة أوبرا بمحو الأميّة”.
الأدب، وفقاً لمعادلة أوبرا، هو وسيلة للتعلم عن الذات. الكتب تحوي “دروساً”، والشخصيّات في الروايات “أصدقاء محتملين” والقراءة عمل تحويلي يساعد على الشفاء من الأمراض الاجتماعيّة. ودائماً تقول: “إن الكتب كانت طريقي إلى الحريّة الشخصيّة، تعلمت القراءة في سن الثالثة، وساعدتني على إدراك وجود عالم كبير خارج حدود مزرعتنا في مدينة مِسيسيبي”.
وتجابَه هذه النوادي من قبل النقاد بحجّة أن الأعضاء أو المؤسسين ليسوا أدباء أو نقاد، ولكن هذه الأندية لم تحاول أبداً التعامل مع الأدب من أجل الأدب. وإنما من ثقافة الذات إلى رفع الوعي والمساعدة الذاتية ومن التحسين الفردي إلى الجماعي. كما توفر نوادي الكتب فرصاً للتنمية الفكرية الفردية، ولكنها تؤكد على قدرة الجماعة في تنفيذ التغيير الاجتماعي والشخصي.
ومن أشهر من ألهمته أوبرا لإنشاء وتأسيس نادي كتاب مستغلين بطبيعة الحال شهرتهم للترويج له، الممثلة والمغنية الأمريكيّة، إيما روبرتس، وعلى الرغم من أنها لم تبدأ ناديها إلّا من شهر آذار العام الماضي إلا أن الإقبال عليه كبير جدّاً. وهناك المغنيّة والموسيقيّة البريطانيّة المعروفة فلورنس ويلش، لكن الحال هنا مختلف، فمعجبوها هم من أسسوا النادي بدايةً على خلفيّة صورة لها على مواقع التواصل الاجتماعي وهي تقرأ داخل إحدى المكتبات في لندن عام 2012، لتنضم إليه وتساهم فيه من خلال قراءاتها، إضافة إلى الممثلة الجميلة ذات الشعبيّة وخاصّة بين الشباب والمراهقين، إيما واتسون، وهي الخريجة من جامعة براون بشهادة في الأدب الإنكليزي. وكان لتمثيلها الأمم المتحدة في العديد من القضايا الاجتماعية الأثر الأكبر لتأسيسها النادي عام 2016. وأخيراً محبوبة أمريكا الممثلة، ريسي ويذرسبون، يعدّ ناديها الأكثر شعبيّة حالياً بعد نادي أوبرا، والأهم من حيث العناوين الاجتماعيّة، وجميع أعضائه يتلهفون لكلّ جديد تقترحه ريسي.
لم نتطرق للحديث عن نوادي الكتاب، للتذكير بأهمية القراءة فقط، أو لكثرة الحديث عنها في وسائل التواصل الاجتماعي، وإنما لغصّةٍ في القلب، أمّة اقرأ لا تقرأ.. نرجو من الله أن تصيب ممثلاتنا هذه العدوى المفيدة بدلاً من عدوى بل هوس الموضة وعمليات التجميل.
سامر الخيّر

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لا تعليقات