صمتٌ على واشنطن وغضبٌ على أوتاوا

لا يزال رد النظام السعودي الغاضب على كندا يثير مزيداً من الشكوك والاستهجان من جميع المراقبين على الساحة الدولية، وخاصة أن الانتقاد الكندي لحقوق الإنسان في المملكة لا يشكّل نقطة في بحر الانتقاد الأمريكي لها، ما يعني أن التعامل هنا حمل طابعاً مزدوجاً.

فالنظام في المملكة الوهابية لا ينفك يثبت يوماً بعد يوم أنه لا يحتمل أبداً الانتقادات لسجلّه الحافل بخرق أبسط حقوق الإنسان، فقد مارس منذ تأسيسه أسوأ صور الاستخفاف بحقوق مواطنيه من اعتقالات تعسفية إلى اختطاف وتعذيب وقهر وإكراه وإجبار على الإدلاء باعترافات قسرية وتجهيل للشعب بشكل ممنهج عبر نشر أدوات التغييب عن الوعي بين الشباب لمنعهم من التحدّث عن المشكلات الحقيقية التي يعاني منها المجتمع السعودي، ولكنه يستطيع أن يتخيّر الجهة التي يمكنه أن يجعلها ندّاً له في هذا الإطار، وقد وقع الاختيار على كندا.

ففي الوقت الذي أثارت فيه تغريدة واحدة للسفير الكندي، انتقد من خلالها اعتقال ناشطين سعوديين ضمن حملات اعتقال تعسفية تشنّها قوات الأمن، غضب الرياض، حيث طالبته خارجية نظام بني سعود  بمغادرة البلاد خلال مدة أقصاها 24 ساعة، واعتبرته شخصاً غير مرغوب فيه، لم تلقَ تصريحات أمريكية مشابهة أي رد فعل منها، عندما أصدرت الولايات المتحدة في نيسان 2018 تقريراً حول حالة حقوق الإنسان في المملكة تحدّث عن القتل غير الشرعي، بما في ذلك الإعدامات من دون الالتزام بالإجراءات القانونية اللازمة، والتعذيب والاعتقالات والتوقيفات التعسفية للمحامين والحقوقيين والمعارضين والمعتقلين السياسيين، والتدخل التعسفي في الحياة الشخصية، وتقييد حرية التعبير عن الرأي، بما في ذلك الانترنت، وتجريم الكذب، وتقييد التجمع السلمي والتجمهر، وتقييد حرية المعتقد، وحرمان المواطنين من إمكانية اختيار الحكومة عبر انتخابات حرة وعادلة، وتجارة البشر، واستخدام العنف ضد النساء، وغير ذلك.

وفي توضيح أسباب ردّة فعل النظام السعودي القاسية للغاية على التصريح الكندي، أكد محللون أن تصرفات السعودية تحمل طابعاً سياسياً بحتاً، إذ إن أياً من البلدين لن يتكبّد خسائر اقتصادية ملموسة بسبب هذه التطورات، لأنهما لا يمثلان أولوية في مجال التجارة بعضهما لبعض، وخاصة أن حجم التبادل التجاري بينهما يبلغ حوالي مليار دولار فقط، وأن كندا هي منافس أكثر منها حليفاً للمملكة بسبب دورها في سوق النفط، والأهم أن النظام السعودي يحاول أن يوحي بأنه لا يزال يمتلك زمام المبادرة في السياسة الخارجية بعد النكسات المتتالية التي مُني بها على الصعيد الدولي، وأن كل شيء يجري على ما يرام، والسلطة مركّزة بشكل صارم في أيدي عائلة آل سعود لدرجة تدفعها إلى الالتزام بمواقف أكثر حزماً في السياسة الخارجية، وقد تمثل كندا في هذا السياق جهة أكثر ملاءمة لإظهار هذا الحزم، لأن الرياض لن تخسر أي شيء اقتصادياً، وستستفيد من هذا الوضع سياسياً.

وتشير وسائل إعلام غربية إلى أن  الأمر على ما يبدو لا يعدو كونه محاولة من النظام السعودي لإظهار نفسه على أنه حازم في كل الأمور التي تتعلق بقوة النظام وقادر على الرد على أي انتقاد خارجي لسياساته الداخلية والخارجية، وهذا ما يحيلنا بالنتيجة إلى أن النظام السعودي يعيش الآن أسوأ اللحظات في تاريخه، لأنه بات مضطراً إلى هذا النوع من الكوميديا لإظهار أنه لا يزال على قيد الحياة بعد أن تمكّنت عوامل الشيخوخة منه.

طلال الزعبي

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لا تعليقات