صمتُ “الجبير” أفضل من كلامه

بذات العجرفة التي ألفناها إبان سلفه سعود الفيصل، خرج علينا  عادل الجبير وزير خارجية السعودية معلناً قطع العلاقات مع كندا على خلفية مطالبتها النظام السعودي بالإفراج عن ناشطين حقوقيين، معتبراً الأمر مساساً وتدخلاً سافراً في شؤون مملكته العتيدة، وأن هذه الأزمة استدعت طرد السفير، وتجميد العلاقات التجارية، واستدعاء نحو ثلاثة آلاف طالب يدرسون في جامعات كندا، وخلال توضيح الجبير لما جرى ودفاعه عن حقوق الإنسان والمحاكمات “العادلة” في بلاده أشعرنا وكأننا في جمهورية أفلاطون الفاضلة، حيث حرية الرأي والعدالة الاجتماعية وسيادة القانون.
من شاهد وسمع الجبير يُهيأ له أن السعودية لم تتدخل يوماً في شؤون دولة خارج الحدود، ولم تشن حروباً بالوكالة على دول عربية وإقليمية، ولم ترسل إرهابييها إلى أفغانستان والعراق وسورية وليبيا، ولم تشن حرباً على الشعب اليمني، حصيلتها حتى الآن مئات آلاف الشهداء والجرحى، آخرها مجزرة الأمس في صعدة، وملايين المشردين.. نسي الجبير أنه صرع آذاننا بالدعوة إلى احترام حرية الرأي والتعبير وضمان الحقوق في بعض البلدان العربية الرافضة للانخراط في حلفه الأمريكي الإسرائيلي، فيما انخدش شعور مملكته من تغريدة على تويتر تدعو لاحترام حقوق الإنسان في مملكة الجهل والتكفير والفكر الإلغائي، فكيف كان الحال لو جنّدت كندا مثلاً إرهابيين ودعمتهم بالمال ودججتهم بالسلاح وأرسلتهم إلى السعودية؟!، وكيف لو شنت حرباً على الشعب السعودي، ودمّرت المنازل فوق رؤوس قاطنيها، وقتلت النساء والأطفال والشيوخ دون رحمة؟!.. ما على المتابع سوى قياس فعل الرياض بالمقارنة مع ردود فعلها على كندا.
اعتقد نظام آل سعود أنه بالتصعيد الذي شاهدناه يؤدّب العالم، الذي تتعالى أصواته بعد أن فاقت جرائم السعودية حدود الوصف والاحتمال، وأنه بتصريحات “صميدعية” من الجبير يخرس أصوات المنظمات الإنسانية، التي بدأت تفضح مجازر هذا النظام في اليمن وسورية والعراق، وتُطالب بمحاسبته دولياً، وتراءى له أنه بذلك يستطيع وقف الحراك الشعبي الذي توسّعت دائرته في الداخل للمطالبة بأبسط الحقوق المشروعة، وأقلها حق المواطنة والعيش بكرامة، حيث إنه لاحق لمواطن سعودي أن يسأل أين تذهب ثروات النفط الطائلة، وعليه ألا يفكر بالمطالبة بتعديل نظام الحكم، أو إقامة برلمان، وإجراء انتخابات، ولا تعديل على المناهج الدراسية التي خربت عقول أجيال من الشباب وحوّلتهم إلى إرهابيين، وتمّ تصديرهم خارج الحدود خدمة لأجندات البيت الأبيض و”تل أبيب”، ومن بقي في بلده ما عليه سوى التسبيح بحمد الملك وولي عهده والقبول بحكم الأمر الواقع، وغير ذلك فإن مصيره، إما إسقاط الجنسية، أو قطع الرأس، وفي أفضل الأحوال الزج به في غياهب السجون.
هذا هو ببساطة حال مملكة الرمال، ورغم ذلك لا يريدون لأحد أن ينتقد النظام، أو ينبس ببنت شفة للمطالبة بحقوق شعب مغلوب على أمره. وفي الوقت ذاته من حقهم التدخل والتآمر والعبث بأمن واستقرار المنطقة باستخدام مال البترودولار العفن دون أية مساءلة، أو حتى انتقاد بالمجمل لم يفاجئنا خطاب وزير الخارجية السعودي، فهذه هي طبيعة الفكر الوهابي الإقصائي والإلغائي الذي يرتكز عليه نظام آل سعود، وبات معروفاً ويدركه الجميع، خاصة في ضوء وجود رئيس أمريكي يمكن إسكاته بـ “الدولار”.
بالنتيجة: أخفقت الدبلوماسية السعودية من جديد في الرد، بل أضافت أزمة جديدة كانت بغنى عنها، ولو صمت الجبير كان الحال أفضل، وينطبق عليه القول: “جاء ليكحلها عماها”، فقد تبيّن بالفعل أن السعودية لا تعرف حجمها على الخريطة العالمية، وكشفت أمام الرأي العام العالمي حجم تخلف هذا النظام ومدى خوفه من الانتقاد، ولا ندري من أين جاء الجبير بدعم ثلث البشرية في أزمته مع كندا.. حقاً إنه ونظامه منفصلان عن الواقع.
عماد سالم

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لا تعليقات