صوت من الضفة الأخرى

هذا المقال رقم : 15 من 74 من العدد 2019-1-11-16268

هناك في آخر نقطة من البلاد، عند مفرق الغابات دائمة الخضرة أو هكذا تسمى في كتب الجغرافيا كان البرد يلفح الوجوه بقسوة، لا رائحة للدفء في المدافئ المنسية عند زوايا الغرف، المخصصات لم تصل منذ فترة والمنطقة محاطة بالألغام أي أن المخاطرة في الولوج إلى الغابة وتقطيع بعض الحطب يعني التهلكة باختصار. البارحة مثلا انفجر لغم بأحدهم وأخذ قدميه ونظره، من يعيدهم إليه ومن يدفع فاتورة الحطب الغالية تلك! سمعت زوجته الخبر وبدم بارد حضنت أطفالها وحمدت الله.. أي صبر تحمله في داخلها تلك المسكينة، لعلها لم تعد تستغرب عند سماع أي خبر مهما كان قاسيا.
كانت الساعة تميل إلى العاشرة صباحا، الكهرباء لم تأت منذ يومين، كل الأجهزة الكهربائية شارفت على الانطفاء بمشهد جنائزي يليق بالحدث.
هل تناولتم فطوركم؟ وما كان ينقص إلا هذا السؤال ليقع على الرؤوس ثقيلا غليظا.
“كلا، نحن نشتري الطعام على حسابنا، أي في أحسن الأحوال يكون بانتظارنا علبة معدنية تحوي بداخلها بعض السمك المخلل أو لحم المرتديلا. لقد جفت أرواحنا من هذه السموم، لكن ما باليد حيلة.. زوجاتنا بالكاد تطبخ للصغار ما يسد رمقهم والثلوج تغطي الطرقات، لا نستطيع الوصول..”.
على طول الطريق المؤدي إلى هناك أعداد كبيرة من المتعبين المنتشرين بعشوائية لعلها تكون مبررة لكنها بكل تأكيد غير عادلة، كلّ يحمل روحه على كفه المتجمد، لا شيء يبعث على الراحة أو الهدوء وكأن الحكم بالأمل حكم غير قابل للنقض وغير قابل للتغيير أو التعديل، لقد أصبحت الحياة بالنسبة لهم حملا ثقيلا جدا غير أن أكوام اللحم المتكدسة في بيوتهم تدفعهم للاستيقاظ صباح كل يوم جديد.
في الجهة الأخرى من الضفة، أقرانهم البعيدين عن كل هذه المظاهر البائسة، المدللون في الأرض، يتمشّون بمعاطف سميكة وثيرة لا يخترقها المطر ولا الرصاص، عند الساعة الواحدة تماما تُفرش المائدة لهم بأشهى الأطعمة إنه وقت الغداء المقدس، ينهون أعمالهم بكل هدوء وكأنه تقليد بسيط لا يستدعي القلق أو التحمل. العطل عندهم للترفيه عن النفس وتغيير الأجواء وشحن الطاقات بجرعات إيجابية عالية الطاقة. إنهم على بعد أمتار فقط، لكن هذه الأمتار القليلة قادرة على خلق مقارنات لا يمكن القبول بها.
“يا الله لقد أخذت حصتنا من الحياة ونحن واقفين في مكاننا نتفرّج على المبتهجين بصمت، ابعث لنا عدلا يكفينا قليلا وافتح طرقاتنا المقطوعة منذ سنين، ارحم من مات منا قهراً بلا عزيمة أو قدرة على البقاء، اخلق ظروفا طبيعية ليعيش أطفالنا كما كتب الشعراء عنهم في قصائد المدرسة وكتب الآداب”.
عبارات كان يتمتم بها أحدهم وهو يشحذ بعض الدفء من سلك كهربائي رفيع وبعد ساعة واحدة انقطعت الكهرباء عن المنطقة وعمّ الظلام مرة أخرى على تلك البقعة من كوكب الأرض.
ندى محمود القيم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لا تعليقات