عاصم مكارم يكتب كونشيرتو القانون أوركسترالياً

هذا المقال رقم : 14 من 47 من العدد 2018-9-10-16184

 

كل ما قدمه الموسيقي السوري العالمي عاصم مكارم في الأمسية التي أقيمت على مسرح الأوبرا لمؤلفاته الموسيقية بمشاركة أوركسترا دمشق هو ضوء مستمد من عنوانها، فكانت الضوء نحو عوالم التأليف الموسيقي التي برع بها مكارم الحائز على تقدير من الأكاديمية الملكية البريطانية للفنون، بكتابة كونشيرتو القانون – العزف المنفرد للعازف عمران عدرة مع الأوركسترا أكاديمياً لأول مرة، لتضاف إلى تجارب عمالقة الموسيقا في العالم الذين كتبوا سابقاً كونشيرتو العود مع الأوركسترا، وتمكن مكارم من تطويع نغمات القانون هذه الآلة الشرقية الساحرة بتوزيع أوركسترالي مع توليفة الآلات النفخية الخشبية والنحاسيات والوتريات، مع توظيف آلة الهارب كما مثلت الضربات الإيقاعية لمتتالية الطبل الكبير والتيمباني وصدى صوت الصنجات- العازف سيمون مريش- ضجيج الصراع الدرامي للذات في موسيقا اتخذت البعد الفلسفي الوجداني في الإبحار بعوالم النفس البشرية، لترتبط بجزء من الأمسية مع مقامات الصوت البشري وتقنيات الفوكاليز مع السوبرانو منار خويص.

بدأت الأمسية بالعمل الموحي بموسيقا تصويرية”الدوامة” التي تميّزت بصخب موسيقي حاد يعبّر عن الصراع الداخلي الذي يعيشه الإنسان حينما يجد نفسه يتخبط بدوامة، وشكّلت توليفة آلالات النفخية الخشبية مع النحاسيات السرد الموسيقي لتكتمل الصورة المشهدية الموسيقية مع ضربات الطبول لاسيما بالقفلة، وقد أفرد مكارم مساحة فيها لحضور التشيللو ولصولو الفيولا- العازف محمد زغلول- لينتقل قائد الأوركسترا مكارم إلى عوالم”جيروسيم” التي بدأت بنغمات ساحرة للآلات اللحنية المعدنية البراقة لتلتقي فيما بعد مع شفافية الوتريات ونغمات الهارب والامتدادات اللحنية الهادئة في مواضع مع بعد موسيقي آخر لآلات الأوركسترا، لتنتهي بقفلة الهارب.

وقد تغيّرت أجواء الأمسية بتفاعل جمهور الأوبرا مع الحضور الجميل للسوبرانو منار خويص بعمل” سالفينغتون- فوكاليز”، موظفة طبقات صوتها بتقنيات الفوكاليز مع الأوركسترا لتصل في مواضع إلى طبقة حادة وترتبط مع ضربات التيمباني وصدى الصنجات، وفي مواضع اعتمدت على الفوكاليز بالصوت البشري فقط وفق تقنية أكابيلا.

وشغل كونشيرتو القانون الذي يكتب لأول مرة أوركسترالياً والذي دمج بين الكلاسيك والموسيقا الشرقية الحيز الأكبر من الأمسية مع العازف عمران عدرة، فمزج مكارم بين هذه الآلة الشرقية التي تعود إلى زمن الفارابي مع التشكيلة الأوركسترالية بتوزيع موسيقي وظّف آلة القانون بحالات مختلفة، ليبدأ بالحركة الأولى –حركة متوسطة السرعة- باستخدام جزء من أبعاد القانون، لتنفرد أوتار القانون بكل أبعادها في الحركة الثانية التي بدأت بنغمات القانون- حركة بطيئة- وتنتهي بالرقصة الاحتفالية والموسيقا السريعة بالحركة الثالثة –حركة سريعة-والتي انتهت بقفلة القانون.

عبق الشرق والغرب

وأشاد د. علي المبيض معاون وزير الثقافة بالأمسية وبكل ما قدمه عاصم مكارم الذي كتب الكونشيرتو لآلة القانون الموغلة بالقدم إحدى آلات التخت الشرقي التي تمتاز بالأبعاد الصوتية وتعدد الأوتار، وتمكن من توظيف خصائصها مع الأوركسترا من خلال حركات مختلفة، وهذا يدعو إلى الفخر والاعتزاز بالمؤلف الموسيقي السوري العالمي مكارم وبالتطور الموسيقي الأكاديمي السوري لاسيما بتجربة التأليف الموسيقي، وبالتواصل الجماعي أثناء العزف، وتأتي هذه الأمسية لتتوج إبداعاته بمزجه بين عبق الشرق والغرب، كما نوّه المبيض إلى حضور الشباب المتخصصين بالموسيقا مما يدل على تفاعل جيل الموسيقيين وتواصلهم مع الخبرات الأقدم.

الفلسفة اليورانشية

وأضاف المؤلف الموسيقي عاصم مكارم بأن أمسية ضوء تضيء زوايا لاتشاركية في النفس البشرية الذي يدور فيها الصراع الدرامي، ومن عنوان المقطوعة الأولى الدوامة تتضح الفكرة. وسألته عن معنى” جيروسيم” فبيّن بأنه اسم لمكان مذكور بالفلسفة اليورانشية، يدل على القيامة اليورانشية حينما تدرك النفس البشرية موضع النور وتتوجه إليه، ويستكمل هذا العمل دوامة ليكتمل فيما بعد بمتتالية مؤلفة من سبع حركات، ستقدم لاحقاً، أما عن تقنية عمل الفوكاليز فتابع بأنه مختلف كونه كلاسيك مودرن، ليس من نمط الكلاسيك التقليدي.

وعن أول كونشيرتو يقدم لآلة القانون، أوضح بأنه قدم ثلاثة أوجه لها، لتوظيف الآلة مع الأوركسترا فطريقة الكتابة مختلفة إذ اعتاد أن يكتب المؤلفون لآلات شعبية مع الأوركسترا، فأردتُ أن أكتب لآلاتنا التقليدية مع الأوركسترا الكلاسيكية بهذه التجربة الأولى، فقدمت الوجه الأول من خلال الحركة الأولى لأبيّن أن القانون يصلح ليكون مع الحركة الأولى، وفي الحركة الثانية أبرزت فيها الطبيعة المحلية للآلة والمدى الصوتي الكامل واللون الشرقي وبيئة القانون، وفي الحركة الثالثة أظهرت المهارات والتكنيك من خلال موسيقا رقصة احتفالية، مع توظيف الرق لدعم صوت البيئة في مواضع لإيجاد مزاج شرقي مع الموسيقا الكلاسيكية أما التناغم بين نغمات الهارب والآلة الإيقاعية اللحنية البراقة فأضاف بأن الهارب آلة حاضرة  بطريقة كلاسيكية وتقليدية بحتة واستخدمت بعصر الباروك، وقلما يكتب المؤلفون الشرقيون للهارب حتى بأمريكا لم يكتبوا له إذ توجد كتابات لها من قبل الألمان، وفي الكلاسيك الحديث أو المودرن لم يكتب للهارب كآلة موجودة ضمن الأوركسترا لأن وجودها يكون كآلة إضافية”اكسترا”، فأنا من خلال الطقس النفسي المركب أردتُ أن أوظف الهارب كآلة تعبيرية تضيف لوناً براقاً.

وتحدث مدير الأوركسترا وعازف الفيولا محمد زغلول عن أهداف أوركسترا دمشق بتقديم أعمال المؤلفين السوريين لتوثيقها عالمياً، لاسيما المؤلف عاصم مكارم الذي يكتب بطريقة أوركسترالية احترافية، والأمر الهام أنه يجمع بين الكلاسيك والمعاصر، ووصف مشاركته بصولو الفيولا في المقطوعة الأولى دوامة التي تنتمي إلى الموسيقا المودرن بالصعبة من حيث التنفيذ، وقد كتب المؤلف الصولو ووظّفه ضمن التوزيع الأوركسترالي بمكانه الصحيح، لإظهار”ريجستير” طبيعة خصوصية الآلة وأبعادها الصوتية.

ملده شويكاني

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لا تعليقات