عدوى مشروع خبز الحياة بدأت بالتفشي

هذا المقال رقم : 27 من 56 من العدد 2018-10-18-16212

 

عدة أشهر مضت منذ أطلق المخرج زياد جريس الريس- المدير العام للمؤسسة العامة للإنتاج التلفزيوني والإذاعي مشروع خبز الحياة المعتمد على رؤية تشاركية واسعة لصناعة دراما متنوعة في مواضيعها وأشكالها، وبكم جيد يحقق التمدد الأفقي في عدد الأعمال المنتجة ويكون نواة بذات الوقت لأعمال درامية مهمة بعدة مستويات إنتاجية، حيث فتحت المؤسسة الباب واسعا لاستقبال أصحاب المواهب من مختلف الأعمار وخاصة من الشباب (أكاديميين وغير أكاديميين) في الكتابة والتمثيل والإخراج للعمل في عدة مسلسلات من ذات العدد الكبير من الحلقات من نوع المنفصل المتصل وبكلفة منخفضة نسبيا، مع وجود أعمال متوسطة التكلفة إلى جانب طرحها لمبدأ التشاركية مع كل من يرغب من الكتاب المخضرمين والممثلين النجوم والمخرجين المحترفين وشركات الإنتاج، لتقديم أعمال بسوية فنية عالية وبكلف إنتاجية كبيرة لتحقق عبر هذا المشروع الطموح عدة أهداف مجتمعة، أولها إتاحة فرص العمل لأكبر عدد من العاملين في مجال الدراما من مختلف الاختصاصات بعيدا عن المحسوبيات والعلاقات الشخصية، مع تقديم مواضيع من صلب الواقع المعاش تهم المجتمع وتنشر الفكر المستنير والفعل الايجابي بين الناس، إلى جانب مشروع مهم لتوثيق التراث اللامادي للمدن والقرى السورية عبر الدراما مما يحسب للمؤسسة في مجال العمل الثقافي الهادف، ولعل أهم ما يتضمنه هذا المشروع هو التوثيق لبطولات وتضحيات بواسل الجيش العربي السوري من خلال سلسلة “الخالدون” التي تمجد بطولات الشهداء والجرحى وترصد جوانب إنسانية مهمة لدى هؤلاء الأبطال الذين ضحوا بأرواحهم وأجسادهم كرمى الوطن.
هذه المشاريع كلها لم تتصد لها المؤسسة بصورة منفردة بل انطلقت من رؤية إدارتها الجديدة القائمة على مبدأ التشاركية الطموحة حيث خاطبت مختلف وزارات ومؤسسات الدولة ليكونوا شركاء فاعلين في هذا المشروع الفني الوطني الكبير، ولتنتقل معه الدراما من صناعة فنية مهمة للاقتصاد والثقافة إلى سلاح يحمي ويصون المجتمع من أخطار الداخل والخارج، تتشارك في صنعه واستخدامه كل الجهات المعنية ببناء الدولة والمجتمع والدفاع عنهما وعن هوية الشعب الثقافية والاجتماعية والحضارية.
الطريف في الأمر أن هذا المشروع بدأ بسقف عال من الطموحات بدت لأول وهلة ولأغلب المتابعين بأنها طوباوية وغير واقعية وصعبة التحقيق، حتى أن بعض المنتجين استخفوا بالفكرة وابخسوها حقها وحجموا نتائجها، إلا أن التجربة على أرض الواقع أثبتت نجاعة الفكرة وتأثيرها المباشر وغير المباشر على الوسط الدرامي وعلى صناعة الدراما ككل، فرغم محدودية الاتفاقات التشاركية بين المؤسسة وبقية شركات القطاع الإنتاجي الخاص _ وسعي إدارة المؤسسة الحثيث لمثل هذه الشراكات _ إلا أن تلقف بعض أهم شركات الإنتاج الخاصة للفكرة والعمل عليها ولو بشكل منفرد من قبلها، وبروح المضاربة التجارية البعيدة عن التنافس الشريف، إلا أن هذا يعتبر نجاحا للمشروع ولقدرته على نشر عدوى البدء بالتفكير باليات عمل جديدة قائمة على التشاركية وفتح الأبواب الموصدة أمام المواهب المغمورة من كل الشرائح العمرية ولعل اغلبها من الشباب، فبدأنا نشاهد دعوات للكتاب لتقديم أفكارهم إلى هذه الشركات ليتم اختيار الأفضل منهم لتشكيل ورشات كتابة مشتركة تكتب أعمالا بميزانيات مقبولة إلى جانب صدور عدة دعوات من هذه الشركات للتقدم إلى اختبارات انتقاء الممثلين (كاستينج) والتي لم تكن موجودة من قبل كعرف في العمل الدرامي السوري لولا تكريس هذا الجانب وتفعيله من قبل المؤسسة في عدة أعمال تصدت لإنتاجها مؤخرا ، إلى جانب المغامرة في إسناد إخراج هذه الأعمال لمواهب جيدة في الإخراج ممن عملوا كمخرجين منفذين تحت إدارة مخرجين مخضرمين كبار لسنوات مما يبشر بولادة جيل جديد من المخرجين السوريين الجيدين.
كل هذا يدعو إلى التفاؤل بنتائج اكبر مع الوقت، فعجلة الإنتاج دارت لدى المؤسسة ولدى عدة شركات إنتاج خاصة كبيرة وفق آليات تشاركية جديدة يعود السبق فيها لمشروع خبز الحياة، مما يعد بأعمال مهمة في الموسم القادم وبذات الوقت سنشاهد عملا تشاركيا اكبر في المستقبل لتتحول الدراما السورية إلى صناعة وطنية حقيقية يتوفر لها كل متطلبات الإنتاج والديمومة والمنافسة، وهذا ما نحن بانتظاره بعيدا عن العقلية الفردية التي لا تعرف سوى المضاربة والتقليد سبيل وحيدا للتميز، وهذا ما يجب محاربته وإقصائه لصالح الدراما السورية ككل.
محمد سمير طحان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

1 تعليقك