عصي في عجلات الوصول إلى عتبة التعافي عدم حسم مسألة التهرب الضريبي وعرقلة تفعيل “الصغيرة والمتوسطة”واتساع رقعة المهربات

في الوقت الذي نتفق على وجود مؤشرات حقيقية لولوج اقتصادنا الوطني عتبة التعافي، كاتساع رقعة المنشآت الإنتاجية، واستقرار سعر صرف الليرة مقابل الدولار، وارتفاع حجم الصادرات، والانسياب المقبول لحوامل الطاقة، وتحسين مستوى بعض الخدمات وفي مقدمتها الكهرباء، وغيرها من مظاهر الارتياح العام، نجد أن ثمة من يغرد خارج سرب الهم الاقتصادي العام، إذ نلاحظ – مثلاً – استمرار وتيرة السكن العشوائي، وعدم حسم مسألة التهرب الضريبي، إضافة إلى ضبابية الرؤية المصرفية تجاه تفعيل المشروعات الصغيرة والمتوسطة، ناهيكم عن بعض الممارسات التي تنم عن عدم المسؤولية نتيجة الفساد والناجم عنها على سبيل المثال لا الحصر اتساع رقعة المهربات في أسواقنا.. إلخ.

تقاعس

لدى محاولتنا تناول العناوين المغردة خارج الهم الاقتصادي كما أسلفنا، يتبين لنا أن استمرار ظاهرة العشوائيات مرتبط بتقاعس شركات التطوير العقاري عن الإقدام ولو بخطوة واحدة تجاه معالجة هذه القضية، وبعيداً عن التفصيل الممل في هذا الاتجاه، سنورد ما أفاد به أحد المعنيين بهذا الشأن لدى حديثه لنا حول بعض المستثمرين العقاريين المحليين، معتبراً أنهم على درجة كبيرة من الجشع، وسرد لنا حواراً دار بينه وبين أناس يعتبرون أنفسهم مطورين عقاريين – بحسب وصفه – وذلك خلال لقائهم في إحدى الندوات، وكانوا وقتها يتنازعون على المناطق العشوائية الخالية من التعقيدات بغية الحصول على نسب بناء عالية لتشييد أبراج سكنية، فقال لهم: لماذا لا تستثمرون وتطورون المناطق المعقدة مادمتم  مطورين عقاريين وطنيين؟! فأجابوه: إننا نبحث عن المناطق السهلة ذات الجدوى الاقتصادية..! فردّ عليهم: هذا استغلال عقاري وليس تطويراً عقارياً؛ لأنكم تريدون أخذ المناطق الزراعية وتستغلونها بعد تغيير صفتها العمرانية..!

ما سبق يوضح حقيقة مطورينا، وتهاون جهاتنا العامة بالتعاطي مع المشاريع الكبرى الاستراتيجية والحيوية، ويفرض على حكومتنا أن تعيد النظر بسياساتها العقارية كافة، وأن تركز فيها على عامل المنفعة المتبادلة، والقيام بمبادرات جديدة تخدم السياسة الإسكانية، كأن تتعاقد مع مستثمرين أو تتشارك معهم وفق صيغ معينة مثل الـ “BOT” لبناء ضواحٍ سكنية عامة يتم تأجيرها لطالبي السكن بما يتناسب مع وضعهم المعيشي.

تحفظ

وفيما يتعلق بمسألة حسم التهرب الضريبي تتحفظ الدوائر المالية وعلى رأسها الهيئة العامة للضرائب والرسوم عن الإدلاء بأي تصريح يوضح حقيقة الوضع الضريبي، مما يفتح المجال واسعاً أمام تكهنات بوجود ارتكابات هنا وخلل هناك، وأخرى تفيد بأن حجم التهرب الضريبي فاق 400 مليار ليرة خلال العام المنصرم، ليعوّل أكثر المتفائلين بتغيير المشهد الضريبي على صدور قانون الضرائب، ليبقى التهرب الضريبي فارضاً نفسه على الساحة المالية كأكبر تحدٍ تواجهه وزارة المال ريثما يصدر الأخير، لأسباب ربما يتعلق بعضها بغياب الثقافة الضريبية الحقة، والثقة المتبادلة بين المكلف والدوائر الضريبية، وعدم لمس المكلفين انعكاس ما يدفعونه من ضرائب، وأخرى لها علاقة بغياب العدالة الضريبية، وقصور التشريع الضريبي بين المكلفين بدليل تفاوت المعدلات الضريبية المفروضة على الرواتب والأجور من جهة، وتلك المفروضة على الأرباح الحقيقية للقطاع الخاص من جهة أخرى..!

تمويل ولكن..!

لا يزال التمويل هو التحدي الأكبر أمام ملف المشروعات الصغيرة والمتوسطة، خاصة بعد أن تم إنجاز كل الحلقات المطلوبة لتفعيل هذا النوع من المشاريع وبتقنية عالية من تدريب وتأهيل ودراسات جدوى ومتابعة وإقامة دورات فنية من قبل هيئة المشروعات الصغيرة والمتوسطة، وتجدر الإشارة هنا إلى أن سلسلة الحلقات التي تؤمن البيئة المثالية لهذا النوع من المشروعات كانت مكتملة أيام مكافحة البطالة، حيث خصصت الحكومة أموالاً للهيئة لتمويل المشروعات عن طريق المصارف، ولكن بعد دخول المصارف الخاصة عام 2003 إلى القطر ارتأت الحكومة أن تأخذ المصارف دور التمويل، وأثبتت هذه الرؤية إخفاقها؛ لأن المصارف تمول بشروط مصرفية بحتة، إلى جانب أنها تتخوف من تمويل هذا النوع من المشروعات وما ينتابها من مخاطر، فالمصرف يفضل تمويل مشروع كبير بقيمة 100 مليون على أن يمول عشرة مشاريع، كل واحد بقيمة 10 ملايين، لاعتبارات تتعلق بالملاءة المالية والمقدرة على السداد ونجاح المشروع.

آفة..!

أما الحديث عن الفساد ومخرجاته فلا يتوقف عند حد معين، لكن ما يريعنا حقيقة في الجانب الاقتصادي هو آفة التهريب القاتلة؛ إذ سبق لنا وأشرنا بأكثر من مناسبة إلى أن قيمة المهربات الشهرية وصلت في فترة من الفترات إلى 250 مليون دولار، وتشمل المواد الخاضعة لأقصى درجات الترشيد المطبقة من قبل وزارة الاقتصاد والتجارة الخارجية، وفي مقدمتها (الألبسة – الدخان – الأجهزة الخليوية – المشروبات الكحولية – العطورات – مواد التجميل)، وبغض النظر عن دقة هذا الرقم من عدمه، إلا أنه يمكننا وضعه في خانة الاستئناس للتصدي لهذه الآفة الاقتصادية الخطيرة الكفيلة بتدهور – إن لم نقل تدمير- اقتصادنا الوطني، فلو اعتبرنا أن هذا الرقم مبالغ فيه، وهو أقل بنسبة 50% في أحسن الحالات؛ فذلك يعني أنه 125 مليون دولار، وبالتالي لا يزال كبيراً ويشكل ضغطاً لا يستهان به على تحسين سعر صرف الليرة أمام الدولار، لأن التجار المهربين يشترون الدولار من السوق السوداء ما يشكل بالنتيجة طلباً كبيراً عليه، وبالتالي ارتفاع سعره..!

إذاً.. الكل مدعو اليوم حكومة، وقطاع أعمال، ومواطنين لدعم حالة التعافي من ألفها إلى يائها، وكل من يضع العصي في عجلة هذا التعافي مهما صغر شأنه أو كبر، فهو ينطوي بالضرورة ضمن خانة الفاسدين؛ فالمضارب بسعر الصرف فاسد، والمهرب فاسد، والمتنصل من مسؤوليته الإدارية فاسد..إلخ، وربما لا يختلفون كثيراً عن المتاجرين بالأزمة إن لم يكونوا فعلاً من مسانديهم، ولهم مصلحة بإبقاء الوضع على ما هو عليه..!

ح . النابلسي

hasanla@yahoo.com

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لا تعليقات