على المِحك: الغرب ينشر التطرّف

لا يستطيع عاقل أن ينكر اليوم طفوَ ظاهرة التطرف وانتشارها في المجتمعات العربية والإسلامية، وألّا يعترف بمنعكساتها السلبية العديدة على الفرد والمجتمع والدولة والأمة. وألّا يعترف أيضاً بأثر  الغرب في تغذية هذه الظاهرة ورعايتها والرهان عليها واستغلالها أبشع استغلال في التاريخ الإنساني وصولاً إلى ممارسته إرهاب الدولة.

فالغرب ولاسيما بمفهومه الأنكلوسكسوني عمل ومنذ مطلع العصر الحديث على الاهتمام بالشرق وبالاستشراق وفق رؤية استعمارية نيوكولونيالية قبل أن تكون رؤية معرفية، فرأى في غرس بذور التطرف والتكفير والعصبيات العرقية والطائفية مدخلاً أساسياً إلى تحقيق أطماعه، واجتهد في نقل التطرف من ظاهرة فكرية أولاً، ثم إلى ظاهرة اجتماعية ثانياً، إلى أن صار ظاهرة سياسية تقترن بالعنف والسلاح وممارسة الإرهاب.

وعلى هذا الأساس رأى الغرب في المجتمعات العربية والإسلامية الأرض  الخصبة لهذه الظواهر، ورأى في التطرف المادة الأهم لتفتيت هذه المجتمعات، وتدمير وحدتها الوطنية والقومية ونسف “الحضارة المشرقية” والعيش المشترك فيها، والإجهاز على النتائج الطيبة لثمار حركة التحرر الوطني التي حققتها الشعوب وصولاً إلى البدء ببناء الدولة الوطنية منذ مطلع النصف الثاني من القرن الماضي.

في هذا السياق يعرف المتابع أهم أسباب تركيز القائد الأسد على الجانب الحضاري والمعرفي للأزمة الوطنية والقومية الراهنة، فتغدو إعادة قراءة كلمات سيادته التي ركزت مرات عديدة على هذا الموضوع مهمة، بل ضرورة وطنية ومعرفية. وعلى سبيل المثال لا الحصر، ففي الأشهر الأولى من الأزمة ألقى كلمة جديرة بالمراجعة على مدرج جامعة دمشق في 10/1/2012 بيّن فيها بوضوح وإسهاب استغلال الغرب وذيوله أبشع استغلال لهذه الظاهرة المناهضة لآفاق الحضارة العربية الإسلامية، من بعض ماورد فيها:

«التآمر الخارجي لم يعد خافياً على أحد، لأن ماكان يُخطط له في الغرف  المظلمة بدأ يتكشّف أمام أعين الناس واضحاً جلياً، الأقنعة سقطت الآن… إن وطننا العربي بتنوّعه الواسع يرتكز ببنيته الاجتماعية على دعامتين قويتين متكاملتين  بأبعادهما الحضارية هما العروبة والإسلام، وكلتاهما عظيم وغني وضروري، ولا يمكن أن نحملهما وزر الممارسات البشرية الخاطئة، كما أن التنوع الإسلامي والمسيحي في بلادنا هو دعامة عروبتنا وأساس قوتنا… والعلاقة بين العروبة والوطنية وثيقة وضرورية وهي ليست قضية رومنسيات ولا مبادئ فقط بل مصالح، إن العروبة انتماء لا عضوية، وهي هوية يمنحها التاريخ لا شهادة تمنحها منظمة. العروبة هي شرف…».

إذن، كان لابد لأي وطني وعروبي من إمعان النظر في استثمار الغرب لمنجزات التطرف ومفرزاته وأهمها الإرهاب الذي راهنت عليه نظريات الفوضى الخلاقة، والشرق الأوسط الجديد، والمحافظون الجدد، والنظام العالمي الجديد؟!

فلم تكن الوهابية، ولا الصهيونية، ولا الإخوان المسلمون، ولا طالبان، ولا القاعدة، وصولاً إلى داعش، إلا ثمرة من ثمار بذور التطرّف والعنصرية والإرهاب التي زرعها ورعاها الغرب، وحصدنا ثمارها المرّة في هذه المنطقة من العالم دماراً للبشر والشجر والحجر، وتحطيماً للبنى الفوقية قبل التحتية منها.

في التاريخ المعاصر لم يعد الغرب ينتج على حد كتاب المفكر برتراند راسل «حكمة الغرب» وإنما ينتج اليوم مايؤكد «انحدار الغرب» وفق كتاب المفكر شبنغلر، ونحن اليوم لم نعد نقرأ هكذا كتب، وأجيالنا لا تطلع على ما اطلع عليه آباؤنا من مؤلفات هيغل وماركس وروسو ونيتشه وهيدجر وماكس فيبر… إلخ.

الغرب يشغل أجيالنا اليوم بالوجبات السريعة لوسائل التواصل الاجتماعي، وللميديا الموجّهة لاستهداف العيش المشترك والوحدة المجتمعية والوطنية. فهذه الأجيال، هي والمؤسسات التي تنتمي إليها  لاتستند في حل  مشكلات الفرد والمجتمع والمؤسسة والدولة إلى نظرية المعرفة، وتعاني من الانخراط في أنساق ثقافية، وتظن أن الفكر المعاصر لاينتج ثقافة مستنيرة متابعتها ضرورة؟!، فكيف تتهيأ لهذه الأجيال القدرة اللازمة على التخطيط السليم للاضطلاع بحل مشكلات الواقع الصعب؟!.

ولهذه المعاناة أسبابها منها دفع المركزية الغربية أجيالنا ومؤسساتنا الحزبية والنقابية الحكومية إلى الانشغال الجارف بمكافحة مفرزات التطرف وتذرير المجتمع.

من يدقق في حديث الأمريكان بالأمس عن استخدام الكيميائي في سورية يظن أنهم حَمل وديع، ويتذكر بالمقابل اللعبة القذرة في العراق وليبيا، ويعرف أن الاستثمار في الكيميائي نظير الاستثمار في الإرهاب وفي داعش تحديداً الذي ترعاه الإدارة الأمريكية وتوعز إلى عملائها باحتضانه لتستخدمه ذريعة لبقائها في المنطقة.

إن رعاية التطرف، والفوضى الخلاقة، ومشروع الشرق الأوسط الجديد، والاستثمار في الإرهاب  والكيميائي مقدمات ضرورية لتكريس مناخات حروب مستمرة في المنطقة، تُستهدف خلالها الدولة الوطنية التي تتمسك أولاً بالمشروع العروبي المواجه للمشروع الصهيوني، والمتمسكة بالحق وبالحقوق والرافضة للتطبيع والاستسلام.

ومساحة إدراك ماورد أعلاه تتسع بفضل الصمود العقائدي والميداني، وإلّا فما سبب انحسار همروجة «أصدقاء الشعب السوري» من 120 دولة إلى أقل من عدد أصابع اليدين؟.

د. عبد اللطيف عمران

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لا تعليقات