على حدود المصافحة التاريخيّة

يعتري الأوساط التنفيذية حالياً، ما يشبه العصف الذهني بشأن أقصر السبل وأسهل الأدوات المتاحة لاستقطاب كتل هائلة من الأموال السورية المُستثمرة، أو المودعة في الخارج.
وإن كانت هذه فرضيّة ظنون لا معلومات، فإن عدم حصولها سريعاً يعني أننا “نتثاءب” في خضم مشكلة معقدة لا تقبل الاسترخاء أبداً، وهذا أبغض ما يمكن أن نتخيّله، ليس لأجل أصحاب الأموال الهاربة، بل لأجل استحقاق إعمار سورية، الذي اتفقنا جميعاً على تصنيفه في طراز وطني بامتياز.
فورقة الإعمار مطروحة الآن بشكل عفوي في مضمار تداول الآراء بشأنها، لا سيما في الجانب المتعلّق بالتمويل، الذي يبدو مركز العقدة في مجمل المشروع، ونحن على يقين من أننا، ومن دون كثير مقدمات، سنصل إلى استنتاج حتميّة الإنعاش السريع لقطاعات الإنتاج الحقيقي، وليس الخدمي كأولوية مباشرة، وهذا يتطلّب سيولة نقدية كبيرة كوقود تنموي، يقبع القدر الوافي منها هناك خارج الحدود، حيث بات مهدداً بأن تبدده “قرصنات” حكومات بلدان المقصد.
لا بدّ إذاً من أن نكون حاذقين جداً في التعاطي مع هذا الملف الجدلي المزدوج، السيولة أولاً،  والتنمية في بعدها الإنتاجي ثانياً، وإن تحرّينا عن ملامح الحذاقة المطلوبة ستكون مُختصرة في كلمة مفتاحية واحدة هي “المرونة”.
والمرونة تعني في دلالاتها الاقتصادية الموضعية سلسلة طويلة من المرادفات، أبرزها وأكثرها وضوحاً، جرأة التعاطي في القرار والإجراء، ونحن نسمح لأنفسنا هنا بأن نذهب إلى أبعد من ذلك بقليل، ونزعم الحاجة لجوهر أداء مفعم بالمبادرة يصل إلى حدود ما يسمى “حافّة الهاوية”، على مستوى تحمّل الرجل التنفيذي لمسؤولياته، وكسر الشماعات التقليديّة القديمة، من منطلق القناعة النظيفة بأن الغاية تبرر الوسيلة.
كنّا بلداً صناعياً متقدّماً في مجال استثمار الخصوصية والميزات النسبية والمطلقة التي تحفل بها بلدنا، وراكمنا سلّة منتجات عُرفنا بها كعلامة فارقة في إقليم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، لكن عقوداً من التراخي قذفت برأس المال والخبرة وحزمة الميزات السورية، إلى ميادين بعيدة لتطل علينا وعلى العالم من هناك بذات “القوام والسحنة”، فخسر الاقتصاد السوري، حيث ربح الآخرون بأدواته.. وهذه هي المفارقة التي باتت تحدياً راهناً، لابدّ من معالجته تحت وطأة الظرف وإملاءات المرحلة.
منذ زمن التأميم خرج الصناعيون السوريون ليبدؤوا من الصفر في بلدان بعيدة، حاملين خبراتهم ومهاراتهم وليس إلّا، واستطاعوا في زمن قياسي تأسيس مجمعات “البصمة السورية”.. والشواهد كثيرة في بلدان أمريكا اللاتينية وأفريقيا وأوروبا، وقد احتضن الجوار وبعض بلدان النطاق العربي الكثير من النماذج التي تقدّم نفسها بقوة في عالم الأعمال بمختلف اختصاصاته واتجاهاته.
الآن نحتاج إلى عودة هؤلاء بكل بساطة.. ولا نظن أن الأمر يتطلب أكثر من تطبيقات مقولة “دعه يعمل دعه يمر”، التي اكتفى بها يوماً رجال أعمال فرنسيون، كلائحة مطالب دفعوا بها أمام “جان بابتيست كولبير” أحد وزراء المال في القرن السابع عشر.
ونحن على يقين من أننا لو أفلحنا في ترسيخ تطبيقات “دعه يعمل”، وأوفيناها استحقاقاتها، لتدفقت أموالنا عائدة إلينا، ولعظمت مخرجاتها هنا على الأرض السورية، ولتحققت لنا عائدات هي بالفعل من ذهب.. هذه باختصار سياسة “التاجر الشاطر” التي يجب أن نجيد لعبها، فالإيرادات مثلاً ليست محصورة بالبعد الضريبي المباشر، الذي بات “فزّاعة” طاردة لرأس المال، وإنما ثمة غلال مضاعفة غير مباشرة – اقتصادية واجتماعية – ستكون بانتظارنا لو حررنا بيئة الأعمال، واكتفت الحكومة بدور “السيّد المنظّم والموجّه”، وهذا هو الدور الحقيقي للحكومات في مثل هذه الظروف الاستثنائيّة، فلنبدأ بصفحة مصافحة جديدة على طريقة “عفا الله عمّا مضى”.
ناظم عيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لا تعليقات