“عندما بكى نيتشه”.. مُتعَة الحِوار بين الفَلسَفة و عِلْم النّفْس

 

 

لا شك أن عملاً روائياً يكتبه طبيب متبحر في علوم النفس البشرية ومهتمٌ بالفلاسفة أيّما اهتمام، أعمالهم أفكارهم وأسلوب تعاطيهم مع الآخرين، لا بد سيكون مثيراً للفضول، فكيف إن كانت الرواية قائمة بالأصل على خلق لقاء وحوار ما بين طبيب مبدع يُعد من أهم أطباء علم النفس في القرن الثامن عشر هو “جوزيف بريوير” الذي كان أحد أوائل الأطباء الذين اتخذوا من العلاج النفسي أسلوباً ناجعاً للقضاء على مشاكل المرضى النفسيين، بدلاً من الأدوية والحجر الصحي والأمر لم يكن معتمداً بعد، وهو ناقد وشاعر ولغوي والأهم أنه فيلسوف مثير للجدل بشخصيته القوية ونظريته المؤمنة بالقوة، والقوة دائماً، بالإضافة إلى حضورٍ لافتٍ لطالب الطب في حينه “سيغموند فرويد”.

الرسالة
وللحكاية بداية تثير في القارئ فضوله، الأمر الذي لم يكن كذلك بالنسبة لطبيب كان هيّأ نفسه لقضاء إجازة هادئة في فيينا بعيداً عن كل أمر طارئ يتطلب تدخله السريع، لكن رسالة “لو سالومي” في ذلك الصباح سوف تثير حنقه وانزعاجه إذ دعته للقائها مبكراً لأمر تراه خطيراً على البشرية دون أن تدع له فرصة للاعتذار أو الاستفسار “يا لها من رسالة وقحة، فلم يسبق لأحد أن خاطبه بهذه الصفاقة، وهو لا يعرف أحداً باسم “لو سالومي” لا يوجد عنوان على المغلف، لا يوجد لديه وسيلة لإخبار مرسل هذه الرسالة بأن الساعة التاسعة ليست مناسبة، وأن السيدة بريوير لن تكون سعيدة لتناول الفطور وحدها وأن د. بريوير يمضي حالياً إجازته”.
لكنه سوف يذهب إلى الموعد المحدد ويستبق صاحبة الدعوة بوقت طويل ويجلس بانتظار السيدة أو الآنسة التي لا يعرف عنها سوى أنها أقلقت صباحه بسبب أمر تراه طارئاً يستدعي تدخله الشخصي، ستزول دهشة واستغراب الطبيب حالما تعلمه الفتاة الروسية الجميلة حقيقة الأمر، وأن مستقبل الفلسفة في خطر إن لم يقبل التدخل لمعالجة حامل راية الفكر الفلسفي في ألمانيا “نيتشه” الذي بات على شفير الهاوية يعاني كأي مريض نفسي ويفكر جدياً بالتخلص من حياته، وهي إذ تطلب ذلك فإنها تشترط على الطبيب المصاب بالذهول من جهة والإعجاب بجرأة السيدة التي تجلس أمامه من جهة ثانية، تطلب منه أن يتم الأمر في أضيق حدوده وبسرية كبيرة ودون أن يدري صاحب الأمر بالأمر! وذلك لكبريائه الشديد وحساسيته المفرطة تجاه المشكلة التي يعاني من تبعاتها.
وأمام إصرار الفتاة التي امتلكت القدرة على إقناعه بأسلوبها القوي وشخصيتها الجذابة، سوف يرضخ “بريوير” لطلبها ويستجيب لرغبتها في محاولة إنقاذ “مريضنا العزيز” ليبدأ التفكير والبحث عن وسيلة يحتال عبرها على المريض للقدوم إليه والبدء بمرحلة علاجٍ كان نيتشه قد يئس من الوصول إليه، تقول “لو سالومي” للطبيب: “لقد رأى نيتشه جميع الأطباء في ألمانيا وسويسرا وإيطاليا، لكن أيا منهم لم يفهم حقيقة مرضه أو حتى يتمكن من التخفيف من حدة الأعراض التي يعاني منها، فقد أخبرني أنه رأى خلال الأربع وعشرين شهراً الأخيرة أربعاً وعشرين طبيباً من كبار الأطباء في أوروبا، لقد هجر بيته وأصدقاءه وتخلى عن أستاذيّته في الجامعة وراح يبحث عن منطقة يتحمل مناخها للتخفيف من شدّة الألم الذي يعاني منه”، سيقبل وهو يشعر بالغرابة خصوصاً بعدما ألمحت إليه بأنها على دراية بحكايته مع بيرثا “آنا أو” مريضته التي عالجها من هستيريا كانت تعاني منها ولم يجد هو حتى اللحظة من يشفيه من حبها الذي كاد يدمر عائلته.
مريض عنيد
لجأ بريوير إلى الاطلاع على بعض أعمال نيتشه، تلك التي أحضرتها له “سالومي” بغية العثور على طريقة لاستيعاب شخص مريضه الذي أوصد الباب بقوة على أسراره حفاظاً على صورته القوية، يقول بريوير لصديقه “سيغموند فرويد” بينما يتبادلان الرأي فيما يمكن اللجوء إليه لحل عقد نيتشه:”إذا اقتنعت بأنه ينوي الانتحار فإني سأحبسه فوراً، إما في مستشفى المجانين في براننلفيلد أو في مصحة خاصة مثل بريسلوير”.

لقاء وود
وما هي إلا أيام حتى تمكن الطبيب من لقاء صاحب “هكذا تكلم زرادشت” بعد أن أقنعه أحد أصدقائه بالقيام بزيارة إلى “بريوير” في فيينا، وخلال ساعة ونصف يستطيع كسب ود الفيلسوف القوي وفي ذات الجلسة يعود هذا إلى الصد مرة أخرى يقول له :”تذكر أنني بدأت أصاب بالصداع والمرض منذ أن كنت في المدرسة، أي قبل هذه الخيانات بفترة طويلة” ثم يكمل: “لست على استعداد لأن أثق بأحد مرة أخرى، لم يعد بإمكاني أن أفعل ذلك” إذن هي الخيانات يفكر بريوير. هكذا لن تكون المهمة من السهولة والسلاسة بمكان أمام الطبيب، ولن تمضي سوى بضعة لقاءات بين الاثنين نتابع خلالها حوارات وآراء ونظريات ممتعة ومثيرة بينهما رغم التناقض والتباعد في الأفكار التي تبادلاها، ولن تمضي سوى لقاءات قليلة حتى يقرر نيتشه العودة والرحيل بعد أن نفذت نقوده وتبدد أمله بالوصول إلى علاجٍ سريع لعلته، وفي الفندق حيث يمضي ليلته قبل السفر تعاوده واحده من تلك النوبات الشديدة من الألم ويدخل في غيبوبة تستدعي حضور “بريوير” الذي سوف يحظى بفرصته لاكتشاف الوجه الآخر لنيتشه الوجه الذي أوصلته الخيانات – وسالومي واحدة منها- إلى حال من الضعف والبحث عن المساندة والتعاطف، ورغم أن استغلال الحالة لم يكن بالأمر الأخلاقي إلا أن الطبيب يرى فيها الفرصة لنسج نوع من العلاقة مع رجل استثنائي، فيعقد معه اتفاقاً يسمح له بمتابعة علاجه جسدياً على أن يتكفل نيتشه بمداواة روح “طبيب النفوس” العليلة والممزقة بسبب بيرثا مريضته التي استطاع شفاءها من الهستيريا فوقع هو في علّة التعلق بها، لتعود فصول الرواية تمتعنا بحوارات غاية في المتعة ما بين عملاقين يغوصان في خفايا الروح والنفس البشرية تفسيراً وتحليلاً.
سوف يصل بروير إلى نوع من الشفاء إذ بعد أن ينصحه نيتشه أن يتمسك بحبه لأن فيه سعادته المفقودة، سيلجأ إلى “سيغ” اسم التحبب لصديقه فرويد ويخضع لجلسة تنويم مغناطيسي يكتشف عبرها أن المتخيل من أفكاره لن يحقق المتوقع من آماله وأن سعادته الحقيقية كامنة في أن يحب بشكل ما قدره ومصيره:
– “فريدريك كيف يمكنني أن أتخلى عن كل شيء؟ كم كنت غبياً لأني أخذت بنصيحتك”.
– “كنت قد تخليت عن كل شيء هام قبل أن تلتقي بي يا جوزيف، لهذا السبب كنت يائساً”.
سوف يشفى “بريوير” ويستمر نيتشه في معاناته إذ بقي موصداً بقوة على أسراره، ولكنه وفي لحظة من اليأس والتوق للتحرر من أسراره سيرضخ لطلب طبيبه ويبدأ الإفراج عن مكنوناته والبوح والانعتاق من أسر شخصيته المنغلقة، سيتحدث بإسهاب عن تلك اللحظات الجميلة التي جمعته بحبه لو سالومي، سيحكي بمرارة وانفعال عن شعوره بالخذلان والخيانة كأنما يغسل روحه ويطهرها من الداخل وسوف يبكي ويبكي ويستحيل في لحظة إلى كتلة لينة من المشاعر الرقيقة والضعف البشري بعد أن تبين له أن حبه كان مجرد خدعة أو وهم:
– “لكن يا فريدريك من أجل البحث عن الحقيقة ألا يتعين علينا نحن العلماء أن ننبذ جميع الأوهام؟ يسأل بريوير صديقه المريض.
– “الحقيقة!! يجيبه نيتشه ثم يقول:”نسيت يا جوزيف أنه يجب أن يتعلم العلماء أن الحقيقة هي أيضاً وهم لا يمكننا أن نعيش بدونه، سأتخلى عن “لو سالومي” من أجل وهم آخر مجهول، يصعب علي أن أدرك أنها ذهبت، أنه لم يبق هناك شيء منها.
سيودع المريضان بعضهما بحرارة، ويعود بريوير لممارسه حياته كما في السابق، لكنه سينقطع عن ممارسة العلاج بالكلام مرة أخرى، أما المريض العنيد فيجمع نفسه ويرتحل “وحيداً إلى إيطاليا حيث الشمس الدافئة والنسيم العليل لموافاة موعد، موعد صادق مع نبي فارسي يدعى زرادشت.
هكذا يأخذنا صاحب الرواية في رحلة إلى عالم نيتشه بأفكاره الفريدة وشخصيته المعقدة العنيدة والعصية على الفهم، وإلى حياة طبيب هو في النهاية مجرد إنسان يمكن أن ينجرف خلف رغباته، كل ذلك عبر حوارات ونقاشات بين فكرين وشخصين لم يلتقيا يوماً، لكن كاتباً مبدعاً يدعى إرفين. د. يالوم استطاع تحقيق ذلك على الورق.
بشرى الحكيم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لا تعليقات