عنزة ولو طارت !

هذا المقال رقم : 51 من 61 من العدد 2018-3-18-16062

 

يُفترض بالمشاهد الإنسانية المؤثرة التي نقلها إعلامنا الوطني لآلاف المدنيين الخارجين من الغوطة الشرقية، بعد أن حررهم الجيش العربي السوري من أهوال حصارٍ وسجنٍ فرضهما عليهم الإرهابيون التكفيريون بقوة السلاح، لمدة سنوات، يفترض بها أن تنسف، من الأساس، الرواية الإنسانية المفبركة التي دأب المعسكر المعادي للدولة الوطنية السورية على الترويج لها، بما يملك من تأثير على الأمم المتحدة، وأجهزتها المختلفة، فضلاً عن الإمكانيات الإعلامية الضخمة التي يستخدمها في تضليل الرأي العام، وتزييف الحقائق. لكن المشكلة أننا نتعامل مع عدو يصرّ على التمسّك بروايته الكاذبة عمّا يجري في الغوطة، وعلى اتهام الجيش بأنه يستهدف المدنيين هناك بأكثر الوسائل فتكاً، بما فيها السلاح الكيميائي المزعوم !، ويصرّ، بالمقابل، على عدم التطرّق، ولو ببنت شفة، للجرائم الموصوفة المؤكدة التي يرتكبها الإرهابيون بحق المدنيين، بل يحرص كل الحرص على تبرئة هؤلاء المجرمين، وإظهارهم في صورة المعارضين الشرعيين الذين يقاومون بطش النظام !.
هذا العدو يعرف حقيقة مايجري في الغوطة حق المعرفة، لكنه يتعمّد إنكارها، وتزييفها، تحقيقاً لأغراضه السياسية. ولذا فليس غريباً أن يسعى، بكل وسائله الخبيثة، لمحاصرة إنجازنا الإعلامي الوطني الذي أظهر حقيقة ما كان يعانيه أهالي الغوطة من جرائم الإرهابيين البشعة، وأن يستمر إعلامياً، وسياسياً، في ترديد أكاذيبه ومزاعمه على طريقة “عنزة ولو طارت”.
إن الهزيمة النكراء التي ألحقها الجيش العربي السوري بالإرهابيين في الغوطة، وبمشغّليهم الذين شنّوا واحدة من أشرس حملات الضغوط السياسية والإعلامية على الدولة السورية لمنع جيشها من الإقدام على تحرير الغوطة من الإرهابيين، ففشلت حملتهم، إن هذه الهزيمة تثير اليوم غضب الحلف المعادي الذي كان يراهن على إبقاء الغوطة جرحاً نازفاً في الخاصرة الدمشقية. ولذا فإن من المتوقع أن لا يتأخر ردّه على الإنجاز الميداني الاستراتيجي المستمر على قدم وساق. وقد سمعنا عن خطط وضعها بهدف التعويض عن خسارته الكبرى. غير أن المؤكد هو أن الجيش بالمرصاد لأي هجوم عسكري محتمل في أي منطقة كان. يثبت ذلك الهجوم الفاشل الذي شنّه الإرهابيون مؤخراً في ريف حماه رداً على تقدم الجيش في الغوطة، والخسائر الفادحة التي مُني بها المهاجمون.
ومن الواضح اليوم أن سياسة الضغط على الدولة السورية، وتهديدها بالويل والثبور، وعظائم الأمور، لن يفيد في منع تقدم الجيش، وإيقاف تصميمه على تحرير كل شبر سوري من رجس الإرهاب. أما التدخل العسكري المباشر من قبل الأصلاء لنصرة إرهابييهم، وإعاقة الجيش عن تحقيق هدف، فأمر وارد أيضاً، لكن أمامه عقبات كثيرة، فدرس الطائرة الصهيونية التي أسقطتها الدفاعات الجوية السورية في الأرض المحتلة، مازال طازجاً، ولا يمكن لأي تخطيط لعدوان خارجي على سورية أن يتجاهله. كما أن أي عدوان خارجي مباشر يهدف إلى تغيير ميزان القوى العسكري على الأرض لصالح الإرهابيين سيلقى الرد المناسب من قبل الجيش العربي السوري وحلفائه، فهذا بالنسبة لمحور المقاومة وحليفه الروسي، خط أحمر، ممنوع تجاوزه، مهما كان الثمن، مما يجعله خياراً مستبعداً، إلا إذا غامرت العقلية الترامبية بإشعال فتيل حرب عالمية ثالثة لا طاقة لأحد على تحمّل نتائجها…
ما هو واضح حتى الآن أن لإدارة ترامب مخططاً احتلالياً لجزء من التراب السوري، وأنها لا تريد لسورية أن تقضي على الإرهاب، وتطرد الاحتلال، وتستعيد سيادتها على كامل ترابها الوطني، لما سيُحدثه ذلك من تأثيرات إقليمية ودولية سلبية على المشروع الأمريكي الصهيوني الذي يسعى جاهداً إلى إحكام هيمنته على المنطقة، والقضاء على محور المقاومة فيها من جهة، وإلى إطالة عمر الأحادية القطبية، وإضعاف حلف الدول المستقلة الطامحة إلى تغيير النظام الدولي من جهة أخرى.
وإذا كان هذا المخطط قد عرف طريقه إلى التنفيذ في الشمال السوري، فذلك لا يعني البتّة أنه قد نجح، وأنه قادر على الاستمرار. وإن غداً لناظره قريب.
محمد كنايسي

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لا تعليقات