عن “خروج القوات الأجنبية”

هذا المقال رقم : 2 من 55 من العدد 2018-5-31-16116

 

لا تبدو الدعوة لخروج القوات الأجنبية من سورية مصدر إحراج إلا بالنسبة لأولئك الذين لهم سيناريوهاتهم وأجنداتهم غير المعلنة في سورية والمنطقة العربية – ولن نقول الخفية لأنها مكشوفة حقيقة – وهم ضالعون في الحرب عليها، وكانت لهم أدوارهم – ولا تزال- في دعم المجموعات الإرهابية، ومدها بالمال والسلاح وأسباب الوجود، بل واختراعها من العدم عند الضرورة، وعلى مراحل متوالية، وحددوا لها أسماءها وعناوينها ومهامها وكانت لهم بمثابة الأذرع المسلحة على امتداد ومفاصل الأزمة السورية، والذين كانوا دائماً من بين عوامل تفجيرها واستمرار اشتعالها لاحقاً.

ومن المفهوم والمتوقع أن تتعمد وسائل الإعلام الغربية والمستعربة الشريكة في سفك الدم السوري حرف الأنظار باتجاه أطراف محددة، وإيران تحديداً – كجهة معنية لوحدها بهذا الخروج – وذلك كنوع من محاولة استباقية لخلط الأوراق والتملص من أية استحقاقات أو ترتيبات محتملة أو مستقبلية، إضافة إلى خلق مناخات من الغموض حيال طبيعة التواجد العسكري والأمني لهذه الأطراف، أو مرتزقتها – قواتها بالوكالة – فوق الأرض السورية، وحدود هذا التواجد ومداه الزمني وأهدافه السياسية القريبة والبعيدة، علاوة على التهرب من أية التزامات أو مواقف نهائية فيما يتعلق بمستقبل العملية السياسية في سورية، وذلك انطلاقاً من خطط مبيتة للالتفاف على مبدأ أن مستقبل سورية يحدده السوريون أنفسهم وبمعزل عن أية مؤثرات أو ضغوط أو إكراهات خارجية، وبالاستناد – أيضاً – إلى ما تعتبره – هذه الأطراف – أمراً واقعاً يمكن البناء عليه لفرض شروط أو حقائق سياسية عجزت عن فرضها من خلال المشاركة السافرة في العدوان أو عبر الإرهاب بالوكالة.

ورغم ما ينطوي عليه التدخل الغربي في سورية، ومنذ سبع سنوات، من مخاطر، ورغم حالة الاستقواء التي يحرضها مثل هذا التدخل لدى بعض الأطراف الإقليمية، إلا أنه يمكن القول، وبكل الصراحة الجارحة، إن المطامع والتطلعات السعودية والتركية، وللأسف، هي أخطر ما تواجهه سورية في هذه المرحلة من مواجهة الإرهاب الأصولي والانتصار عليه، وإن النوايا والمشاريع التقسيمية السلمانية والأردوغانية في سورية تتكشف اليوم على أبعاد تدميرية مخيفة تستعيد روح التهجير أو الإبادة التي رافقت – مع اندلاع الحرب العالمية الأولى وفي أعقابها مباشرة – صياغة حدود الدولة التركية الحديثة بانهيار السلطنة العثمانية، وتكوين حدود المملكة السعودية الحالية، وذلك بالاستناد جوهرياً، وفي المقدمة، إلى اعتبارات ديموغرافية تنظر إلى إلحاق مجموعات من “السكان”، سواء من خلال ضمها مع مناطقها أو من خلال تصفيتها، كأداة مثالية لإعادة رسم حدودها الخاصة وتلبية “متطلباتها” الجغرافية التوسعية، أو اختلاق كيانات سياسية جديدة تتطلع إلى استخدامها كمصدات أو مخمدات أولية في النزاعات المحتملة، وذلك ضمن استراتيجيات سكانية وأمنية سوف تطبقها “إسرائيل” حرفياً فيما بعد.

هكذا يبتلع نظام آل سعود ألف فشل وفشل في سورية ليمد يد الدعم لما يسمى قوات “قسد” الخارجة على القبائل العربية السورية والمنضوية في إطار وحدات الحماية الموصوفة “كردية”، بهدف تشكيل “قوات فصل” يمكن أن تخدم بمثابة حاجز جغرافي وديموغرافي، بين سورية والعراق، يقطع الطريق على التمدد الإيراني باتجاه البحر المتوسط – كم يدعي وتدعي معه “إسرائيل” – ويهدئ من ذعره ومخاوفه التاريخية بإهالة التراب على أي تقارب سوري عراقي هو اليوم أكثر احتياجاً واحتمالاً من أي وقت مضى في ظل التحديات الأمنية المشتركة؛ وهكذا، أيضاً، يناور أردوغان على تعهدات أستانا وسوتشي ويلعب على حبال الشراكة – الروسية كمنافق، والأمريكية كتابع أبدي وخادم ذلول ومطيع للمصالح الأطلسية – لكي يفرض قراءة خاصة يخمن أنها تسمح له، ومن جانب واحد، بالتصرف كمرشد أعلى في خدمة الخلافة الإخوانية الموعودة (النسخة الحداثوية المصادق عليها أطلسياً لخلافة “داعش”)، مستغلاً صفة الضامن لكي يقوم على إنشاء نوع من إدارات ذاتية يأمل أن يقدمها كأنموذج وعينة على طاولة العملية السياسية المرتقبة.

كل قسوة المعارك العسكرية تبدو هينة ومحتملة أمام مخططات ومشاريع تتخذ صفة المؤامرة والتواطؤ الخبيث بكامل معانيه وأبعاده، ولكن ما يبعث على الثقة والأمل أننا فعلاً على مشارف نهاية معركة، وأن كل هذا الحقد والغطرسة لا يعدو كونه تعبيراً عن إفلاس بات بحكم المزمن، فسورية واحدة أرضاً وشعباً وقراراً سياسياً، وسوف تبقى، لأن ذلك مستقبلها، ولأن إرادتها الوطنية، ممثلة بقائدها وجيشها، هما الضمانة لذلك.

بسام هاشم

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لا تعليقات