عودة إلى هذه المحطّة

هذا المقال رقم : 16 من 63 من العدد 2018-9-11-16185

عبد الكريم النّاعم

المقال الذي نشرتْه لي صحيفة البعث، في زاوية “حديث الصباح”، يوم 4/9/2018 بعنوان “هل العلّة في الدّين أم في التديّن”، أثار عددا من الردود على صفحات التواصل الاجتماعي، ومعظم هذه الرّدود كان في الجهة الأخرى من الهدف الذي قصدْتُ إليه، ولا شكّ أنّ ذلك ناتج عن آثار الحريق الصهيوأعرابي الذي ترك الكثير من الجراح، وأيقظ العديد من الأفكار، حتى توهّم البعض أنّ الخروج من الدّين، والإعراض عنه هو الحلّ النّاجع، لعدم تكرار ما حدث في الوطن العربيّ، لاسيّما وأنّ كلّ الفتن الدمويّة التي واجهتْها سوريّة بعد عام 1963م كانت ذات بُعد مذهبيّ طائفيّ ضيّق.
سأتوقّف عند بعض النقاط التي رأيت أنّ جلاءها مفيد فيما نحن فيه، وبصدده. أوّلا: لا ألوم الذين علّقوا بحدّة على ما جاء في المقال، ولكنْ أدعوهم إلى شيء من المراجعة العقليّة، والتي تضع في اعتبارها مصلحة مجموع الشرائح التي يتكوّن منها سكان هذه الأرض.
ثانيا: كلّ الأديان الكبيرة في العالم انقسمت إلى مذاهب، وفِرَق، ونِحَل، وكلّ فرقة تستند إلى بعض ما جاء في نصوص تلك الديانة، وهذا يلفت الانتباه إلى أنّ النصوص الدينيّة بعامّة، هي كما عبّر عنها أمير المؤمنين والبلاغة عليّ (ع)، حين أرسل عبد الله بن عبّاس لمحاورة الخوارج، فقال له لا تجادلهم في القرآن، فإنّه حمّال أوجه، ولكنْ جادلْهم في سنّة رسول اللّه، هذا يوم كانت السنّة المتداولة قريبة من المنبع، ولمّا تبتعد بها الأزمنة، ولم يجر ما جرى عليها فيما بعد من شراء لذمم بعض الفقهاء، ورواة الحديث، ليُدخلوا فيه الكثير الكثير ممّا لم يقلْه رسول الرحمة (ص)، وكم دعا داعون صادقون، مؤمنون، لتنقية الحديث ممّا علق به، انطلاقا من رفض كلّ حديث لا يتّفق مع النصّ القرآنيّ، وما زال ثمّة مَن يدعو، ولكنّ هذا يبدو بعيد المنال حتى الآن.
إذن هي نصوص (حمالة) أوْجه، وأستشهد بموقف الفرق الإسلامية من أفعال العبد، هل هو مُجْبر عليها، أم أنّ له الاختيار فيها، لقد أخذ هذا المحور مساحة كبيرة من الجدل، وكلّ يستند إلى آيات قرآنيّة، ويزعم أنّ رأيه وحده هو الصواب، وما عداه باطل.
لن أوغل أكثر، وسأكتفي بما تسمح به مساحة المقال، لأعيد ، وأكرّر أنّ المجمتعات لا تعيش بغير دين، وهذه حقيقة، ومصيبتنا لا تأتي من هنا، حين يُترَك التديّن أو عدمه لحريّة الفرد الشخصيّة، فمَن شاء منكم فلْيؤمن، ومَن شاء فلْيكفرْ، وبذلك يتحمّل العبد مسؤوليّة ما يختار.
إنّ البسالة التي تميّز بها ابن هذه الأرض، في التصدّي للمشروع الصهيوأعرابي يُفترَض أن تحمل الرّوح ذاتها في التصدّي لتلك النصوص، وإلاّ فستظلّ بعض مواقعنا الاجتماعيّة قابلة لأنْ تنمو فيها تلك الكائنات التي أشعلت الحرائق في هذا البلد أكثر من مرّة.
تديّنْ، أو لا تتديّن، فذلك شأنك، وذلك ذنب أخْرويّ، أمّا الذي لابدّ من التقيّد به، هو أنْ لا تسيء للمجتمع، وأنْ تُساهم في بنائه، وحفظه، وتنميته، وأنْ تدافع عن كرامة الإنسان..
aaalnaem@gmail.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لا تعليقات