“عودة السنونو” للأديبة خديجة بدوّر.. رواية الوجع السوري

عودة السنونو

– إذا كان العنوان في العمل القصصي والروائي يشكّل عتبة دالة للدخول إلى بنية العمل الأدبي، أو يكون على الأقل عنوان رئيسي لمكان نود الدخول أليه والتعرف على خفاياه، إلا أننا هنا سنجد أن العنوان قد قدم لنا ملمح أو خيط شبه خفي، لاستنباط ما سيحدث، وهو على الأغلب يقود إلى الحنين إلى المكان مثلما يحدث للسنونو في حنينه للعودة إلى عشه.

هذه الرواية تدخل ضمن إطار الأدب الواقعي، وواقعية الرواية التي ما أن تبدأ بقرائتها حتى تكملها للنهاية . فعندما نبدأ بقراءة الرواية سنجد أننا ومنذ البداية أمام جغرافية غير متخيلة للرواية، بل على العكس سنجد جغرافية المكان واضحة الملامح جدا، فأحداثها تنطلق من اللاذقية عروس الساحل السوري . وأن الزمن الروائي هو زمن يتوالى ويسير مع سيرورة السرد الروائي للأحداث ومثل هكذا زمن روائي لايتعب القارئ، كأن يطالبه بالعودة إلى أحداث ماضية مثل طريقة (الفلاش باك).

ومع الجملة الأولى من هذه الراوية الجميلة، سنجد أن مكان الأحداث الروائية واضح تماماً، حيث تبدأ حالة حب بين عبد الله وسمية، وهما طلاب في جامعة تشرين في اللاذقية، حيث شاطئ البحر مكان لقاءاتهم بعد أن أنهوا دراستهم الجامعية، وهما ينتميان للعائلات الفقيرة .

“لذلك اعتمد عبد الله وسمية على راتبهما لتجهيز بيت الزوجية، بالحاجات الضرورية والمختصرة” (ص 12) وبعد سنة من زواجهما أثمر حبهما طفلاً أسمياه أحمد. أعباء الحياة وقسوتها وبعد سنوات من الكفاح التي لم تغير شيئا من وضعهما الاقتصادي، بل على العكس. لذلك قررا الهجرة إلى أمريكا للعمل هناك، إذ ربما استطاعا تحسن أوضاعهما، على الرغم من رفض أهلهم للفكرة حتى أحمد الذي تعلق بأجداده. لكنهم يمضون في قرارهم ويمضون اتجاه أمريكا في الطائرة (بكى عبد الله وبكت سمية، واستغرب أحمد طفلهما البكاء) كان وداع الأهل قاسياً، والبكاء أقسى، بينما قلوبهم ضلت معلقة في أرض الوطن، وخصوصا بالمدينة التي عاشا فيها (ص 21). وفي أمريكا هناك حيث قسوة الغربة واختلاف كل شيء، ومع تراكم ضراوة الحياة والزمن يبدؤون بالبحث، عن متنفس لثمة هواء، وحالات إنسانية وبشر لعّل فيهم بعضا من رائحة الوطن، وبعد عناء يستدل عبد الله على حي معظم سكانه من العرب،من سورية والعراق ولبنان وبعض البلدان العربية، فينتقلون للعيش هناك بعيدا عن عولمة أمريكية مركبة لاتمتلك أي شيء من الجذور والحضارة، في الحي العربي تعيش العائلة مع أصدقاء من مدن سورية مختلفة وبلدان عربية، مما يخفف عنها أعباء الغربة، وقسوة غرابة الشارع الأمريكي، يكبر أحمد ويحب فتاة سورية اسمها أمل، ويخطبها له أهله. في الحي العربي، تدور السهرات بين العرب يناقشون فيها الحياة في أمريكا، وانتهاكاتها لمبادئ القانون الدولي، والشرعية الدولية بعدوانها على سورية والعراق. ثم يقرر العدد الأكبر من سكان ذاك الحي في أمريكا العودة إلى أوطانهم، وفي غمرة انهماك عبد الله وسمية بالتسوق وإحضار الهدايا لأصدقائهم وأهلهم، يتعرضان لحادث سير مؤلم في المشفى يفارقان الحياة. ثم تنقل جثامينهم بالطائرة إلى دمشق، ومعهم ابنهم وخطيبته أمل.

“كان المطار يعج بالناس من اللاذقية وحمص وحلب، من أهالي عبد الله وسمية والدكتور عمر والأستاذ عيسى.. كانت الدموع عنوان الاستقبال، كان موكبا أغبر قاتم انتهى إلى المقبرة” (ص95). ثم يبقى ابنهم أحمد في اللاذقية ويرمم بيت أهله ويتزوج من أمل.. لربما هذه الحالة هي ترميز لاستمرارية الحياة ولعدم انقطاع الجذور، بل باستمراريتها،وديمومتها، هذه الرواية التي وان كان الحزن يكاد يكون عمودها الفقري، إلا انه جاء كتعبير عن ماهية الحياة وان الأقدار تلعب لعبتها، لكنها في العموم رواية جديرة بالقراءة والمتابعة، بقي أن نشير إلى أن الأديبة خديجة بدوّر نجحت في إيجاد أسلوبية روائية تخصها هي ببصمتها وأناقة روحها .

الرواية: عودة السنونو- مطبعة الشعار حمص – 2016- / 113/ – صفحة من القطع المتوسط

البعث ميديا || أحمد عساف

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

1 تعليقك

  1. ما أحوجنا لمثل هذه الأعمال الأدبية لنبني وعيا قوميا ونفقه بأن الغرب عموما وأمريكا خصوصا قد أوصلوا العالم إلى قمة الرعب والإرهاب. يصنعون آلات الموت ويصنعون في نفس الوقت طوابير من أبناء الأمة العربية، يشتروهم بثمن بخس للانضمام إلى الحركات الإرهابية التي تؤسسها أمريكا وترعاها إلى حين خدمة مصالحها وترميها، كما ترمي جنودها بأنفسهم -كما حدث مع الراجعين من العراق وأفغانستان.
    أكثر من هذا في هذا الملخص القصير، تثار قضية الهجرة أيضا، المسببة من طرف إدارة النظام الرأسمالي البشع، في حلته الجديدة اللبيرالية المتوحشة.
    المزيد من الروايات الهادفة أيتها الكاتبة