“عودة العنقاء “.. حكايات على إيقاع المثيولوجيا الإنسانسة

هذا المقال رقم : 37 من 67 من العدد 2018-6-1-16117

 

من خلال العنوان يتبدى أننا سنغوص بالمجهول الذي يرتبط بزمان ومكان مبهم وبعيد, إنها رحلة يعود بها الكاتب فهد خالد حلاوة لعوالم تاريخية أراد أن يمتعنا بها بنسق جميل.. من خلال قلمه الخاص في قصص قصيرة جدا تسيل الحكاية بكلمات معبرة ولكنها إيحائية تخضع لخيال الكاتب أولا والقارئ ثانيا ونقرأ من “أوديب” ص 21:
“بعد أن قتل أباه وصار ملكا تزوج أمه, ثم فقأ عينيه.. الآن بعث حيا, سمع كيف يقتل الإنسان ويزني بمحارمه.. بإقرار وفتوى انفكت عقدته بصيرا..”.
إنه يحرك فينا استرداد ثقافات ماضية أو يحضنا على الإطلاع عليها إن كانت غائبة عنا, كما في “بروتوس” ص25: “عاد بروتوس مستغفرا تائبا طالبا العفو وعلى حين غفوة عاد ملايين الطعنات لصديقه القديم, لكن هذه المرة يوليوس الدمشقي لم يمت..”.
على إيقاع الميثولوجيا الإنسانية تواترت الحكايات التي تبثنا بنفائس الفكر العالمي وتعيده للذاكرة بل وتحض على الاستعادة في تكوير الحكمة وبنائها من جديد.. إذ أن لا جديد تحت الشمس, والظرف يتغير لكن الحقيقة لا تتغير، بهذا المعنى اشتغل الكاتب وبدقة محببة ولكنها تتطلب التأمل والتوقف منها في”الآلهة” ص 61:
“تورم الثور العربي.. كبر فخذه وقذفه في وجه الآلهة.. وحده قاسيون قطعه وقذفه في وجه الآلهة الجديدة..”.
تجاورت الحكايات في السرد الإيحائي مابين المحاكاة والمعارضة للمعنى بما يسمح لخيال المتلقي اللعب على أوتار الأفكار وإغنائها عبر إضفاء ثقافته عليها كمثال “أسطوري ” ص 79:
علمتني ضربة الوادي/أن أمشي على رأسي/وأنشد أغاني الجبل/تعب فكري من الأناشيد الحزينة/ تشبثت أحلامي في القمة/عسى هرقل خالقا للأمل.
نلمح لغة شعرية في قصة قصيرة وبجمالية موسيقى داخلية وبسريالية خاصة ابتعد الكاتب عن المعاني الفضفاضة ولغة السجع بل ترك التفاصيل لرؤية القارئ وكنموذج في باب “حوارات قصير ة جدا” استخدم إبداعا خاصا فيه دراما حوارية على النسق المسرحي ولكنه كالعادة مقتصد الفكرة “حوار 4” ص 107:
“عندما يموت الإنسان يموت الوعي ويموت ماله وما عليه, فأنا لم أوص لأنني لم أتوقع أن أقتل بهذه الطريقة, كنت أفكر بالخلود كما جلجامش”.
وأخيرا نجد أن الرحلة بعيدة زمنيا في هذه الأقاصيص التي ترنحت مابين الماضي السحيق والمستقبل, إذ أن الآتي هو انعكاس وظلال للماضي بكل الأحوال في حياة الشعوب فما بالك بالإنسانية جمعاء كثقافة وتجربة.
الكتاب جاء في 120 صفحة من القطع الكبير تضمن 117 قصة قصيرة لكل منها معنى خاص وهنا تكمن أهمية الكتاب, وهو من تأليف فهد خالد حلاوة, وصادر عن مؤسسة سوريانا للإنتاج الإعلامي, وقد قدم للكتاب كلٍّ من أحمد طنطاوي ورجاء البقالي :
“من زمن إلى زمن ومن مكان إلى مكان جدلية الحاجة الماضي في صيرورة الفكر والإبداع بين الفردي والجماعي, تلك هي نصوص المجوعة القصصية الكاتب فهد حلاوة.. نصوص الجنون نصوص الاكتشاف والولادة, كأنها قذائف وصرخات في وجه العصر, لكنها تتوغل في عمق الوجود مختزلة صرخات الإنسان منذ البدء, توهانه ومعاناته الوجودية..الخ”.
وتابع قائلا: “الزمن هو العنصر الرئيس في هذه المجموعة قاربه الكاتب عن وعي بتوظيفه لتقنية التناص الهدف خلق وعيا جديدا بالواقع المأساوي من خلال نبش الذاكرة التراثية الإنسانية وختم إن احتكاك الواقع الحالي بالأسطورة القديمة كان هو المعالج الحضاري السلبي تورث الجنون أصبحت الآن لفرط الاستهانة بها وتبريرها قانونا.. لقد أحالت المدنية الحديثة المجنون عاقلا..”.
ويبقى السؤال هل الماضي والمثيولوجيا محرض إيجابي أو سلبي لصيرورة الحاضر والمستقبل, هل التجربة تقتضي البرهان والقانون أم أنها تقف عائقا يوجه القوانين الجديدة.. من قصة “بيان شرعي” ص23: “يفرض اللباس الشرعي تحت طائلة المسؤولية بيان علقه على جدار المسجد، ثم قتل زوجته ونفسه في عقر داره ثمة رجل لاذ بالفرار..”.
لقد قدم الكاتب القصص القصيرة جدا لحكايات بحجم التاريخ زمانا ومكانا, إنها الحقيقة التي لا حدود لها, تنتشي في كل مكان لكنها تلخص أحيانا بكلمة أو مقولة سمت الحكم والموروث الثقافي الديني أو الأدبي, إذ إن الاختزال لا يعني الاختصار, بل يعطي أبعادا للمعاني لا حدود لها.., ويتجدد مع الأزمنة اللاحقة من خلال الإسقاطات الإبداعية للفكرة وهو ما يعطي الميثولوجيا الإنسانية صفة الخلود والتوالد مع التوارد الذي اشتغل عليه بدقة الكاتب.

رجائي صرصر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لا تعليقات