عودة القمة الكورية لا تعني حدوث المعجزات

هذا المقال رقم : 32 من 48 من العدد 2018-6-6-16120

 

ترجمة: علاء العطار

عن “ذا نيويوركر” 1/6/2018

على برنامج تلفزيوني مباشر عُرض عصر يوم الجمعة، تحادث الرئيس ترامب مطولاً مع ثاني أقوى رجل في كوريا الديمقراطية، حينما كانا يودعان بعضهما في حديقة البيت الأبيض، وتحاور ترامب وكيم يونغ تشول مع بعضهما عبر المترجمين، وتعلو وجهيهما ابتسامتان عريضتان، ووقفا ليلتقط لهما المصورون صوراً، وبعد أن ربّت ترامب على كتفه وشكره بكل ودّ، غادر تشول في موكب من سيارات شفروليه سوداء، وبذلك، عادت القمة مع كوريا الديمقراطية، لتعقد في سنغافورة في الثاني عشر من حزيران، وبدا ترامب مبتهجاً بينما كان يسير نحو المنطقة التي كان ينتظره فيها الصحافيون ليدلي بتصريحه.

“سارت الأمور على ما يرام، والآن سنتفق”، قال ترامب، وتمّ ترتيب الاجتماع بشكل بسيط لإتاحة إيصال رسالة من زعيم كوريا الديمقراطية، كيم جونغ أون، في عرض يرمز لنواياه الحسنة، واستمر الاجتماع لمدة ساعتين تقريباً، وفق ما أشار الرئيس، لكن ترامب لم يفتح الرسالة، وقال للصحافيين “ربما تنتظرني مفاجأة كبيرة”، وقبل أسبوع، ألغى ترامب القمة –وكانت تلك أول قمة بين الأمريكيين والكوريين الديمقراطيين- لإيصال رسالة درامية إلى كيم، الذي لم تجب حكومته على المكالمات الهاتفية الأمريكية بشأن التحضير للقمة وشروطها.

ويبدو أن أسبوعاً من العمل الدبلوماسي المتقلب مع كوريا الديمقراطية قد غيّر توقعات ترامب، فطوال أسابيع، أصرّ الرئيس على أنه يريد من كوريا الديمقراطية الموافقة على نزع كامل للأسلحة النووية في جلسة واحدة من المفاوضات، وفي يوم الجمعة، قال ترامب للمراسلين إنه لا يزال لديه طموحات عالية، ووعدهم بأن “النتيجة ستكون إيجابية للغاية في النهاية، ستكون عملية ناجحة في النهاية”.

لكن يبدو أن ترامب أدرك أخيراً أن فن الدبلوماسية أكثر تعقيداً، وأكثر دقة، وربما يستغرق وقتاً أطول من فن الصفقة التجارية، وكما أشار خلال الأسبوع الماضي، أقرّ ترامب يوم الجمعة بأن سنغافورة ستكون “مجرد بداية” بعد عقود من العداء، وأوضح “هذه هي عملية لها مراحلها، ولن نوقع شيئاً في 12 حزيران، لم نكن ننوي ذلك بتاتاً، بل قلت له: خذ وقتك، يمكننا المضي بسرعة، ويمكننا أن نمضي ببطء”.

يعكس تغير ترامب واقعية جديدة جلية في البيت الأبيض حول عملية المفاوضات الطويلة، وخاصة فيما يتعلق بالشروط التي تُلزم كوريا الديمقراطية بالتخلي عن كامل ترسانتها النووية، وقال لي باتريك ماكيشرن، وهو خبير سابق في وزارة الخارجية في شؤون كوريا ويعمل الآن في مركز وودرو ويلسون، “لا نعرف ما إذا كان هناك تغيّر في طريقة التفكير أم أن هذا تطور طبيعي لفهم العملية الدبلوماسية، من المرجح أن يكون الاحتمال الثاني هو الأصح”.

وقد لا تنتهي التقلبات، فوفق ما أضاف ماكيشرن الذي عمل في كوريا الجنوبية “كلا الجانبين يلعبان ألعاباً تكتيكية”، وكانت رسالة الرئيس جزءاً من المواقف التمهيدية لمؤتمر القمة، وهكذا كان رفض كوريا الديمقراطية في الرد على المكالمات الهاتفية أو حضور قمة مع كوريا الجنوبية، وقال ماكيشرن “بوسعنا أن نتوقع استمرار المزيد من هذا النوع من الألعاب قبل القمة وبعدها، وهذا ليس أمراً سيئاً بالضرورة، هكذا تتفاوض مع الكوريين الديمقراطيين- وبالتأكيد هي الطريقة نفسها التي يتفاوضون بها معنا”.

ولا يبدو أن ترامب قد حصل على تعهد رسمي بنزع السلاح النووي -أو حتى التوصل إلى اتفاق على تعريف مشترك- في محادثته مع كيم يونغ تشول، فقد قال ترامب للصحافيين: “أعتقد أنهم يريدون القيام بذلك”، لكن كلمة “ذلك” تغطي نطاقاً واسعاً من الخيارات، لطالما دعت الولايات المتحدة كوريا الديمقراطية إلى نزع الأسلحة النووية بشكل كامل ويمكن إثباته، لكن لا تزال هناك أسئلة بلا إجابة في الإدارة بشأن مقدار ما يشمله ذلك، ففي جلسة استماع للكونغرس الشهر الماضي، سُئِل وزير الخارجية مايك بومبيو عن طريقة تعريفه لنزع السلاح النووي، وأجاب بومبيو، الذي زار بيونغ يانغ مرتين منذ عيد الفصح، لدى الولايات المتحدة عناصر تتجاوز قنابل كوريا الديمقراطية، بما في ذلك أنظمة إطلاق الصواريخ والمواد الانشطارية، وعندما ضُغط على بومبيو للإجابة عمّا إذا كان من الممكن السماح لكوريا الديمقراطية بامتلاك برنامج نووي مدني لتلبية مطالب الطاقة، أجاب: “لست في موقع يخولني الإجابة عن هذا السؤال اليوم”.

كما أنه ليس من الواضح ما قد ترغب بيونغ يانغ في الحصول عليه من واشنطن مقابل نزع السلاح النووي -مع أن هذا الشرط محدّد-  فقد كانت كوريا الديمقراطية قد اقترحت في وقت سابق أنها تريد من الولايات المتحدة التوقف عن توفير مظلة نووية لحماية كوريا الجنوبية، والتوصل إلى تفاهم مشترك لنزع السلاح النووي سيكون الموضوع الأهم للقمة في سنغافورة، التي ستعقد بعد أحد عشر يوماً فقط.

في الأثناء، قدّم المسرح الدبلوماسي، الذي رأيناه في البيت الأبيض، يوم الجمعة لكوريا الديمقراطية ما أرادته منذ عقود، أي اعتراف بنظامها وتعهد باجتماع مع أقوى زعيم في العالم، لقد تحوّل كيم إلى أحد أكثر زعماء آسيا شهرة، ومنذ أن بدأت العملية الدبلوماسية الحالية مع كوريا الديمقراطية ، في الأول من كانون الثاني، استضاف كيم الرئيس الصيني شي جين بينغ مرتين، وعقد اجتماعين تاريخيين مع نظيره الكوري الجنوبي، وزاره وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف هذا الأسبوع، وما زال يتوافد آخرون.

لكن لا يزال هناك مشككون، فقد حذر زعيم الأغلبية في مجلس الشيوخ، ميتش ماكونيل، ترامب يوم الجمعة من أن “تخدعه” كوريا الديمقراطية، وقال في مؤتمر عُقد في ولاية كنتاكي: “لكي تنجح هذه الأوضاع، يجب ألا ترغب بإبرام صفقة مبالغ فيها، فإذا وقعت في غرام هذه الصفقة، وكان من المهم جداً بالنسبة لك إبرامها، وأصبحت التفاصيل أقلّ أهمية، فإنك قد تقع في حبائل الخديعة”.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لا تعليقات