عين مجنونة تحكي وعاقل يشرب

هذا المقال رقم : 17 من 49 من العدد 2018-6-14-16126

 

عيون ماء، بيوت مزدحمة بالثقافة والشقاء، ساحات للفن والسياسة والأدب بكل أطيافهم، أسراب من فكر حر لا يهدأ له بال حتى يقبض على المتاجرين بخوف الناس، المطالبين فقط بالبقاء على قيد الأمل والخيال بلا أي نكهات قد تتلون بها الحياة..

“بسنادا” بلدة لا تنام على هم قديم فهمومها طازجة على مر الزمان.. في تلك البلدة بلا علم تمشي الخيلاء، فأنت على قطعة من الأرض معلقة بغيوم السماء، فمن على سطح أي بيت فيها ترمي السلام صباح مساء على البحر من رأس البسيط حتى الميناء..

بنت اللاذقية أنا، وبسنادا على مرمى قلبي ونظري لكننا لم نتعارف عن قرب إلا منذ بضعة أيام..! تدخلها فينتابك حنين من نوع خاص لا يترجم بأي لغة، يفتح لك باباً على عدّة حضارات، تحت كل حجر ترفعه حكاية وتاريخ يمتد إلى غابر الزمان، بفيء كل شجرة لنا شهيد من هنا وهناك فمقبرة الشهداء سيدة  المكان. كلما حاولت أن تفتش في  قلبها أكثر لن تجد إلا غريب الأمور والأخبار، فعين مائها التي ذكرها الكثير من الكتاب والمؤرخين تكاد تكون ثامن المستحيلات، ولا نعلم من كان السبب في شهرة الآخر أكثر بسنادا أم عيون مائها العذبة كعذوبة أهلها..

مايميز النبع الأثري حتى الآن نقاء مياهه التي تأتي عبر مجرى من ينابيع أخرى أعلى منه ارتفاعاً، ومن يزور العين يرى تلك الفتحة التي تسمح بدخول الماء إلى الغرفة الداخلية للعين حيث شيدت على عمق سبعة أمتار تحت سطح الأرض،  يصل زوار العين إلى مياه النبع عبر درج يصل إلى حوض الماء بلا أي معاناة.. تلك العين تباهي صديقاتها النبعات بأنها قبلّة القاصي والداني حتى الآن، فهي مكان وزمان الملتقى لأحاديث الصبايا وغزل الحكايات، قبتها النصف دائرية التي بنيت من الحجر النحتي فوقها تماما حيث اجتمعت على هندستها كما ذكر في كتب التأريخ الأوغاريتيون والبيزنطينيون حتى أصبحت على هذا الحال، ومازالت جدران العين دفاتر المجانين والعشاق على حد سواء، فهي تضج وتزدحم بأسماء بتر قلبها أو أحد أطرافها لغاية في نفس أصحابها والزمان، وكيفما تلتفت تجد قلوباً اخترقتها سهام الحب.

ما إن تحضر للمكان حتى تسبقك رائحة البخور وأغصان الآس لا أدري ما السبب ولم أحاول أن أسأل أحداً، لكنني أعتقد كما الكثيرين من الناس هناك بأن عظمة المكان مع مرور الوقت والروايات أصبح مزاراً من نوع خاص وخلوة مناسبة للتواصل مع الله والذات بطريقة أو بأخرى، فأنا أجزم بأن الرب دائماً هناك..وكل ما قيل من أحاديث وروايات عن الجنون الذي يصاب به المرء ما إن يشرب من ماء النبع كانت ومازالت خرافات لا صحة لها، فكل من يشرب منها يصبح سيد العقلاء..!

لينا أحمد نبيعة

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لا تعليقات