“غريب أيها الفرح”.. نصوص للشاعر أسد تركي الخضر

 

لن يكون أمام من يقرأ “غريب أيها الفرح” إلا أن يستوقفه مثل هذا العنوان بما يحمله من صدمة واقعية ومُدركة؛ حسية ولكن غير معلن عنها، بل لعله يحمله على شيء من التأمل في غياهب لم تخطر في باله-هذه واحدة من فضائل الشعر والخيال-، فربما من الصفات الأكثر صدقا للفرح هو أنه غريب، لكن هذا مالا نسميه ولا ما نصفه به، رغم قربه الشديد من الحالة الوجدانية العامة، ليأتي الشاعر “أسد تركي الخضر” فيلتقط تلك اللمحة الخاطفة من عمر اللغة وعمر الشعور، مزاوجا برشاقة بين الفرح وصفته الأهم “غريب”، فكيف لا يكون الفرح غريبا عند شاعر اختبره، وعرف بخبرة أيام وسنين طويلة بحكم أن المعرفة تكوين، أن الفرح لا تليق به صفة أكثر من تلك، إنه غريب، لا يأتي حتى في موعده ولا يجيء بالثياب نفسها مرتين، عدا عن كونه وفي كل مرة من المرات القليلة التي يجيء فيها، فإنه يورث الشاعر فكرة غربته وغرابته، ولربما الغربة هي من تلك الغرابة ذاتها في لبوس آخر رغم تباين المعنى والمعنى الآخر، وهي ثيمة شهيرة في الشعر العربي بمعانيها، لكنها تحضر عند الشاعر، كما لو أنها صفته الشخصية، وهويته الشعرية المعروفة هنا؛ من هنا جاء انتخاب قصيدة العمود في “غريب أيها الفرح” –رغم حضور خافت لقصيدة التفعيلة- في مجموعته الشعرية “غريب أيها الفرح” الصادرة عن اتحاد الكتاب العرب-لتكون هي الطريق الذي ستسلك أفكار وأشجان “الخضر”، دروبها الشاقة، بعيدا عن الوقوع في فخ الكتابة المنفلتة من كل عقال، فالشاعر يدرك أهمية الشكل بالنسبة لما يفيض به حبره، فيعلي من شأن لغته لتبلغ مهابة وفخامة الشكل، إن كان في الوصف أو في منطق القصيدة نفسها، التي تتقدم بنفسها، مُعرفة عن معدنها وما في جملها الشعرية من ظلال وإيحاءات، أو في الأسلوب اللغوي الذي يجيء هنا مزاوجا بين تقنيتين لغويتين، إحداهما تشتغل على الحداثة في الجملة أو الصورة الشعرية، في تركيبها وبنائها بما يمتثل للخيال الذي يصيغه الشاعر، وبين لغة شعرية رنانة، لها صداها في أذن القارئ أو المتلقي، ففي الكتاب الآنف ذكره، يصح القول إن “المغنى مقود الشعر” خصوصا وأن الشحنات العاطفية الجياشة فيه، تفصح عن نفسها وبوضوح كما في قصيدته الأولى “وميض” التي فيها المثال عن حضور لغتين مشغولتين بحرفية عالية في البيتين الأخيرين منها وهما: “باغتي بالندى دمي والأماني/ فلعلّي غمر الرحاب أخوض/ مثلما شف عن دجاه صباح/ عن رؤى الروح قد يشف القريض/.
187 قصيدة بين جلدتي الكتاب، تصحو القصائد فيها على إيقاع المعنى، متنقلة بكثير من الخيال الشفاف بين المواضيع التي خاض بها الشاعر، جاعلا للموسيقى الداخلية في القصيدة، حضورا أكثر كثافة، خصوصا وأن اللغة التي يطوعها “الخضر” هي من يقترح المعنى وصدى ترجيعه في النفس، لذا تجيء معظم الصور الشعرية وكأنها عفوية، منسكبة دون تدخل، لكن القارئ الحصيف، سيدرك كم من الاشتغالات المرهقة، هي التي أشعلت هذا المعنى، أو أنضجت تلك الرؤية، هنا تحضر السلاسة الشعرية طاغية على جهد كبير، قام فيه الخيال بتعاون متين مع اللغة، لصياغة القصيدة، فهي إذا مشغولة بماء القلب أولا، لكنها بنت الخيال الذي لا يروضه إلا الشاعر الحصيف، صفة أيضا تنسحب من القصيدة على كاتبها، فالمُنتَج، يدل على المُنتِج.
مواضيع عدة تحضر في “غريب أيها الفرح”، إلا أن العاطفي الوجداني، هو الأكثر طغيانا على بياض الكتاب، ففيوضات الشاعر، تختبر أجنحة التجربة، وتتسقط أخبار الزمن ومروره على الروح والجسد، وهذا أيضا ما تقوله جل العناوين مثل “صبا-مقام الوجد-فيض-ائتلاق-تحية-نشوة- لك” ومن الأخير نستحضر ما يلي: شجر داخل روحي مقمرٌ/وعلى كفي تنهل الزهور/ والأغاني موغلات في الشذا/فدمي جمر وللروح بخور/يفرد الحرف لقلبي ضفة/فالعبارات الجميلات بحور”.
تخفت لغة “تركي الخضر” الشعرية في بعض قصائد المجموعة، وذلك لطغيان الشعور على التقنية، حتى أنهما يتنافسان بين بعضهما، على حساب مزاج القصيدة نفسها، وبالتالي على المعنى والإحساس، وهو صراع لا بد منه، لكن حضوره الشعري يجب أن لا يُظهر جانبه التقني بفجاجة، كي لا يظهر الحالة الشعورية مصطنعة، يقول “تركي” في قصيدة “شغب الروح”: (دمي طافح بالطيور وقلبي/ يغني على ضفايه النخيل/ وفي شفتي غابة من أمان/ إذا أظلمت ضوأتها الفصول/وتشهق في الماء روحي/ على حافة الكأس روحي تسيل”، التقنية التي هي في الاشتغال على الصور الأكثر إبهارا إلى جانب حضور كلاسيكي الكلام في المقام ذاته، تفوقت على شعرية المعنى، فوهنت عظام القصيدة؛ لكنه ينتبه لهذه المشكلة في أغلب القصائد، التي تجيء متحررة من قيود الزمان والمكان، منسحبة لصالح نفسها وحريتها وجمالها، يقول في قصيدة “الغريب” أنا الغريب ولا مأوى لذاكرتي/على الخرائب ألقتني يد الريحِ/ أنا الذي للسدى ألقيت أغنيتي/ورحت أسلم للماضي مفاتيحي/”.
طبعا ليس من اليسير على المقال الصحفي عموما أن يتناول التفاصيل النقدية لأي عمل شعري، فكل مفصل قد يحتاج مقالا لوحده، مثل القافية في قصيدة تركي الخضر والصورة الشعرية في قصائده، الإيقاع الداخلي ووحدة المناخ الشعري، لكنه أي المقال عموما، يسعى لتوضيح الخيوط العريضة، معرجا على بعض التفاصيل، بما يشبه المرور السريع، ليقول فيما يخص الكتاب الذي نحن في ذكره “غريب أيها الفرح، أنه يُنبئ عن ضربة قوية لجناح شاعر في فسيح فضائه.
تمّام علي بركات

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لا تعليقات