غياب التشريعات الداعمة والغرق في ذهنية الوظيفة العامة مركز الأبحاث واستطلاع الرأي يطلق حواراً تفاعلياً حول ثقافة العمل الحر في سورية

هذا المقال رقم : 32 من 55 من العدد 2018-9-20-16192

اختلفت الآراء أم اتفقت.. فرضت ثقافة العمل الحر في سورية نفسها خلال المرحلة الراهنة كرافد ضروري للمواطن السوري الذي ابتكر أساليب جديدة لكسب لقمة عيشه بطريقة أو بأخرى، ورغم العشوائية والبداية المتعثرة “لو أتيح لنا القول” في هذا المجال إلا أن دخولها إلى الشارع السوري أصبح أمراً حتمياً، يفرض نفسه على الحكومة لإيجاد تشريعات وأرضية مناسبة بغية الوصول إلى حالة منظمة للعمل الحر يمكن أن تشكل رافداً قوياً للاقتصاد، من هذه الفرضية انطلق رئيس قسم الاقتصاد في صحيفة البعث الزميل حسن النابلسي في الندوة الأسبوعية التي يقيمها المركز الوطني للبحوث واستطلاع الرأي، حيث بسط مفهوم العمل الحر باعتباره مصطلحاً اقتصادياً يطلق على الأعمال التي تدار من قبل أشخاص يعملون لحساباتهم الشخصية، ولعل المشاريع الصغيرة ومتناهية الصغر تشكل النواة الحقيقية لأي مشروع سواء كان خدمياً أو اقتصادياً أو ثقافياً أو إعلامياً، فيما يكمن العامل المساعد في هذا النوع من المشروعات باعتمادها على رأس مال متواضع نسبياً قد يبدأ بأقل من 2 مليون ليرة. وطرح الزميل النابلسي إشكالية حقيقية تواجه هذه المشاريع تتمثل بإحجام البعض عن الخوض بغمار العمل الحر نتيجة إصابة المجتمع بحالة الاستكانة إلى الوظيفة العامة، الأمر الذي أدى إلى إبادة عامل المبادرة لإثبات الذات على أقل تقدير في الحياة العملية.

تباين

إلا أن هذا العنوان العريض فتح المجال لنقاشات واسعة تباينت فيها الآراء بين من رأى أن عدم نجاح تجارب العمل الحر في سورية يعود لغياب البيئة التشريعية والتأمين المالي لهذه المشاريع، وقسم آخر اعتقد أن الوظيفة الحكومية تشكل عائقاً فكرياً ومجتمعياً أمام من يبادر للانطلاق بمشروع حر، حيث وصّف مدير تحرير الشؤون الاقتصادية والمحليات في صحيفة البعث الزميل ناظم عيد تقليد السعي للوظيفة الحكومية بالـ”كئيب” في الزمن الذي تفقد فيه بريقها نتيجة قلة العائد والوهن الذي سببته لمن اعتمد عليها فقط كمصدر دخل، مبيناً أن الموضوع لا يقتصر على كونه حالة اقتصادية، بل هو حالة مجتمعية تعتبر في هذا الزمن مصيرية على المستوى المعيشي، فيما اعترض الزميل عيد على اقتصار العمل الحر بالمشاريع الصغيرة ومتناهية الصغر وحسب، بل يمكن توسيع المفهوم ليشمل أي نشاط يقوم به الفرد له جانب استثماري ويهدف لتحقيق عائد مادي للتحرر من ذهنية الموظف.

عبء

وقدم رئيس قسم الاقتصاد بعض العوامل التي ساهمت بالدفع لاتخاذ العمل الوظيفي هدفاً أساسياً، يتصدرها ذهنية الأهل التربوية المبنية على ربط التعليم بالوظيفة العامة حصراً، إلى جانب التمسك بالأخيرة واعتبارها الهدف الأسمى لضمان العيش الكريم، يضاف إليها “أبوية الدولة” القائمة على مبدأ (أطعمه السمك بدلاً من أن أعلمه الصيد) التي انعكست على تدني مستوى الدخل للموظف وترهل المؤسسات الإدارية والاقتصادية العامة نظراً لتخمتها بالبطالة المقنعة. إلا أن رئيس تحرير صحيفة البعث الزميل محمد كنايسي كان له رأي مختلف مرتبط بأنه من غير الضروري خلق الصراع بين العمل الحر والوظيفة العامة، فكما يعاني العمل الحر في سورية، كذلك الوظيفة الحكومية ليست بخير، ورغم أنها تشكل ضرورة باعتبارها الحامل الاجتماعي الأساسي في الطبقة الوسطى إلا أن تشوهها عبر التوظيف العشوائي حولها إلى عبء حقيقي يجب معالجته.

وهنا طرح المشاركون في الندوة عناوين عديدة تناولت في معظمها ضرورة وجود تشريعات تنظم العمل الحر، وتوفير محفزات للقائمين عليه، وترسيخ بيئة مناسبة لنشر هذه الثقافة، حيث رأى البعض أن فشل العديد من هذه المشاريع سابقاً يعود لعدم دراسة أسباب الخلل ومعالجتها، وعدم إيجاد منافذ لتصريف المنتجات، فضلاً عن ضرورة معالجة الفارق في الذهنية بين العمل الحر والعمل الوظيفي، فيما تطرق أحد الزملاء إلى تجربة أصحاب المشاريع الصغيرة في البازارات التي تقام حديثاً ومدى نجاح هذه المشاركات وإمكانية تعميمها، إذ أكد العديد على وجود العمل الحر في المجتمع السوري وتغلبه في العدد على الوظيفة الحكومية ولكن المشكلة تتمثل في غياب التأطير لهذا العمل.

تجربة ولكن..!

وبالعودة إلى ما قدمه الزميل النابلسي في ورقته فقد تناول تجربة الحكومة في هذا المجال التي انطلقت بإحداث هيئة مكافحة البطالة 2001 والتي عدت خطوة جيدة لأنها أمنت التمويل للمشروعات، الا أن المفاجأة كانت عام 2006 حيث تم إلغاؤها وإحداث هيئة تشغيل وتنمية المشروعات القائمة على تأمين الدعم اللوجستي وحسب، تلاها عام 2016 إحداث هيئة تنمية المشروعات الصغيرة والمتوسطة بلا تمويل أيضاً، وحتى الآن لم يتم إيجاد أي صلة وصل بين أصحاب المشاريع والمصارف التي تؤمن التمويل، مشيراً إلى أن عام 2011 شهد فكرة مشروع لإنشاء صندوق لدعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة برأس مال 5 مليارات ليرة لكنه لم يبصر النور. وهنا كان تعقيب مدير مركز البحوث واستطلاع الرأي د.بطرس حلاق الذي رأى أن المشكلة ليست بالتمويل، فهيئة مكافحة البطالة 2002 كان لديها رصيد 2 مليار ليرة سورية وقامت بضخ الأموال وأجرت دراسات جدوى حسب المشروع لكن المجتمع تعامل مع القرض على أنه استهلاكي معتبراً إياه  “معونة”، ويضيف حلاق أنه حتى عام 2005 كان التفكير يقتصر على المنطق الوظيفي ثم اتخذت الدولة قرار الانتقال من النظام الاشتراكي إلى اقتصاد السوق الاجتماعي، واستثمر البعض هذه الفترة لتحقيق خطوات متقدمة، مؤكداً أن دور الحكومة يتمثل بمأسسة العمل الحر عبر القوانين والتشريعات.

تشوه

ورأى مدير تحرير الشؤون السياسية والثقافية الزميل بسام هاشم أن تشوه الوظيفة الحكومية انسحب على العمل الحر، فمن يختر أن يبدأ بمشروع صغير لا يمكن توصيفه بعمل حر طالما الشخص ملاحق بالضرائب والمخالفات وغيرها، منوهاً أن السوق الحرة تنظم نفسها بنفسها وتخلق التشريعات والقوانين التي تواكبها وتؤمن ديمومتها واستقرارها.

واتفق المشاركون في الندوة على نقاط عديدة تتركز على تأمين التمويل الكافي لأي مشروع، وتهيئة بيئة ثقافية مناسبة بالتوازي مع ضرورة وجود خطة حكومية لنشر التنمية المتوازنة عبر تقديم التسهيلات والنصائح والدراسات الدقيقة، ليبقى الرهان على دور الأسرة لجهة عدم اختزال آفاق التعليم بالوظيفة العامة حصراً وفق ما هو شبه سائد حالياً، إلى جانب لحظ مناهجنا التربوية لأهمية العمل الحر، كأساس للنجاح في الحياة العملية، من خلال تمرير بعض قصص النجاح بين دفتي بعض كتب مراحل التعليم الأساسي.

ريم ربيع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لا تعليقات