فيينا 3.. ويستمر الصراع!

عُقِدَ الاجتماع الثالث للدول التي أطلقت على نفسها مجموعة “دعم سورية” في العاصمة النمساوية ” فيينا ” في السابع عشر من ايار الجاري، من أجل دراسة واقع الأزمة السورية وما توصل إليه المبعوث الدولي من دراسات ومعلومات وما حمل إليهم من توصيات قد تُساهم في إعادة الروح في الحوار السوري – السوري من جديد وعودة الوفود إلى ” جنيف ” بعد أن فشلت الجولات السابقة في الوصول إلى أي نتيجة فعلية تعكس حالة توافق تؤدي إلى تحسن الواقع على الأرض وذلك بسبب اختلاف المطالب وتباعد الأهداف ما بين الفرقاء المتباينين أصلاً في الانتماء والولاء، ففي حين كان وفد الجمهورية العربية السورية الرسمي يُمثل الدولة السورية ويضع نصب عينيه الأهداف الأساسية التي يُطالب بها الأغلبية الواسعة من الشعب السوري وقد أقرتها التفاهمات العديدة السابقة بما فيها بنود اجتماع جنيف1 وما تلاه من قرارات واضحة في اجتماعي فيينا 1 +2 وهو الأمر ذاته الذي أكدت عليه قرارات مجلس الامن ذات الصلة بالأزمة السورية وخاصة القرار رقم 2254 من حيث الاعتراف بوحدة سورية أرضاً وشعباً، وحق الشعب السوري بتقرير مصيره واختيار نظامه السياسي الذي يرتأيه دون أي تدخل خارجي، لكن اجتماع فيينا 3 لم يعكس حالة التوافق الدولي التي كان يُفترض أن يصل إليها المجتمعون وبالتالي يذلل العقبات التي ظهرت في جنيف، حيث تقلص مستوى الأمل إلى بيان صحفي مقتضب يؤكد على التوافقات الهزيلة السابقة التي لم تتجاوز حد قبول الأطراف باستمرار التواصل والتباحث، أي ما يعني استمرار الصراع إلى وقتٍ غير محدد! على الرغم من أن أغلب دول مجموعة ” دعم سورية ” هي الأنظمة التي كانت ولم تزل ترعى الحرب على سورية منذ بدايتها في عام 2011 وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا وبريطانيا وعملائهم في المنطقة، وإن الخلاف الأساسي بين هذه الدول وبين المجموعة الأخرى التي تُمثلها روسيا الاتحادية والصين وإيران وبقية الدول الداعمة للدولة السورية هو خلاف على آلية تنفيذ القوانين الدولية وميثاق الأمم المتحدة وقرارات مجلس الأمن الدولي، في الوقت الذي تتبنى فيه روسيا وحلفائها موضوع الالتزام التام بالشرعية الدولية، نجد الطرف الآخر يقوم بخرق القانون الدولي ويُعطي لنفسه وحلفائه الحق في هذا العمل الإجرامي الموصوف ضد سورية وشعبها ومخالفة القانون والشرائع الدولية علناً؟ السؤال الذي يطرحه أي متابع هو: كيف تُبرر الولايات المتحدة صمتها تجاه تابعها القزم عادل الجبير وزير خارجية نظام بني سعود الذي يقوم بالتدخل السافر والوقح في الشأن السوري وينصب من نفسه ومن نظامه وكيلاً حصرياً عن الشعب السوري؟ وكيف يقبل المجتمعون ان يستمر الجبير هذا بعزف نفس السيمفونية الغبية التي كان يُكررها أسياده في أمريكا وأوروبا العجوز سابقاً وهي ” انه لامكان للرئيس الأسد في أي حل سياسي ممكن، وإن على الأسد أن يرحل سياسياً أو عسكرياً”، السؤال الذي كنا ننتظر من الحضور طرحه بقوة هو: من خول هذا القزم وأسياده بالتحدث نيابة عن الشعب السوري؟ المؤشر الأهم الذي عكس عدم جدية الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها في تفعيل الحل السياسي المنتظر هو تجاهل هذا المحور بالمطلق لقرار مجلس الأمن الدولي رقم / 2253 / القاضي بمنع دعم وتزويد الارهابيين بالمال والسلاح والعناصر وتجريم كل من يُخالف ذلك، ويؤكد على ضرورة تجفيف منابع دعم الإرهاب بكل انواعه، في حين تُبين المعلومات الموثقة لدى الجانب الروسي والإيراني على تورط كل من السعودية وقطر وتركيا بتزويد العصابات الإرهابية بالدعم المالي والعسكري من دون خجل، وإن تلك العصابات استغلت الهدنة التي تم الاتفاق عليها بوقف الأعمال القتالية، وقامت بإعادة تحصين نفسها ذاتياً والحصول على الأسلحة والدعم المالي من السعودية وقطر عبر تركيا، في مخالفة صريحة لشروط الهدنة ولموجبات القرار الدولي. إن اهتمام الولايات المتحدة وحلفائها ينصب باستمرار على عرقلة الحل السياسي عبر دعم الإرهاب واستثماره حتى أخر لحظة ممكنة، ومن أخر ابتكاراتهم في هذا السياق اليوم العمل على تشكيل جسد عسكري جديد، يتم تجميعه من العصابات الإرهابية المختلفة التي تُطلق عليها الإدارة الأمريكية اسم “المعارضة المعتدلة” وقد أكدت المعلومات المسربة عن اجتماع سري جرى بين استخبارات كل من الولايات المتحدة الأمريكية وتركيا والسعودية وقطر في مدينة غازي عنتاب منذ فترة ليست بعيدة، حيث خرج الاجتماع بتصور نهائي عن تشكيل هذه الميليشيا التي سميت بـ”جيش الشمال” وتم تهديد التنظيمات التي لا تنضم إلى هذا التشكيل بالتخلي عنها ووضعها على اللائحة السوداء للإرهاب دولياً، لذلك لم تُبدي الولايات المتحدة وأتباعها أي جدية فعلية في اجتماع فيينا3 من أجل تنشيط الحل السياسي في سورية، وانحصر جل اهتمامها في امرين أساسيين: الأول يتعلق باستمرار وقف الأعمال القتالية على كافة الجبهات في سورية لإعطاء المزيد من الوقت للعصابات “المعتدلة” من اجل ترميم وضعها المتردي والحصول على الوقت الكافي لانجاز تشكيل “جيش الشمال” المقدر قوامه بـ 3000 مقاتل مدرب ومزود بأحدث الأسلحة عبر تركيا وتغطية مالية سعودية وقطرية كاملة. والأمر الثاني هو العمل مع بقية الدول على تحفيز استمرار مفاوضات جنيف وفق الآلية السابقة ذاتها التي لم تخرج بأية نتيجة فعلية، بهدف اللعب على وتر استثمار الوقت لصالح استنزاف قدرات سورية الاقتصادية والعسكرية والنفسية. في واقع الأمر تنبهت الحكومة السورية وقيادتها السياسية إلى مخاطر هذا السيناريو وما قبله من مخططات تم إفشالها بشكل كامل، ورسمت خطط المقاومة الكفيلة على إجهاضه وإلغاء مفاعيله على الأرض بالتعاون والتشارك مع حلفائها الذين يُشكلون مصدر ثقة كبيرة لدى الحكومة والشعب السوريين، وفي ذات الوقت الذي تسير فيه الحكومة السورية الشرعية على طريق الحل السياسي وتحاور الجميع من بوابة الواثق بنفسه وبشعبه وبجيشه الباسل، نجد أن الجيش العربي السوري وقوى الدفاع الوطنية المختلفة وشركاء الدم في المقاومة على اهبة الاستعداد لمواجهة أي خرق أو عدوان مهما كان نوعه ومصدره، مع التأكيد المستمر على أن عملية محاربة الإرهاب مستمرة حتى القضاء عليه على كامل تراب سورية.

محمد عبد الكريم مصطفى

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لا تعليقات