في أخطار نقض ترامب للاتفاقات الدولية

هذا المقال رقم : 7 من 66 من العدد 2018-10-23-16215

لم يكن إعلان “ترامب” – الذي يعاني من “الإدمان على البلطجة” – نيّة بلاده الانسحاب من المعاهدة الموقّعة مع موسكو بشأن الصواريخ المتوسطة والقصيرة المدى إلّا تعبيراً دقيقاً عن استمرار واشنطن – في حقبتها “الترامبية” الشعبوية الفظّة والجشعة- بمحاولة السيطرة على حالة السيولة السياسية التي تسم المشهد السياسي العالمي المتحرّك بين نظامين عالميين مختلفين، لمنع ولادة النظام العالمي الجديد، والحفاظ على عالم أحادي القطب تتزعمه منفردة، كما اعتادت منذ سقوط جدار برلين على الأقل.

والحال فإن المعاهدة بحد ذاتها كانت تمثّل حين أُبرمت – بالالتزامات المتكافئة التي تفرضها على طرفيها – نوعاً ما من الثنائية القطبية، لكن ذلك لم يكن ظاهراً للعيان، ولا قابلاً للاستثمار السياسي في ظل التغوّل الأمريكي الهائل على دول العالم المختلفة، مقابل الضعف الهائل، أيضاً، الذي كان يعاني منه الاتحاد السوفييتي في تلك المرحلة، وهو ما نتج عنه انهياره لاحقاً، وبعد فترة زمنية قصيرة من توقيعها، وحين اختلّت هذه المعادلة، بحكم حقائق ووقائع عدة متراكمة، لصالح الطرف الروسي، والصيني طبعاً، كان الحل “الترامبي”، الأسهل، والأقل كلفة من وجهة نظره، هو الانسحاب من اتفاقات دولية عدة تفرض على واشنطن التزامات متكافئة مع التزامات شركائها، الأمر الذي يُضعف، بحسب ترامب وإدارته، مفهوم “الاستثنائية” الأمريكية، هذا من جهة، ومن جهة أخرى، فإن الانسحاب من الاتفاقات، وبغض النظر عن كونه أصبح “عادةً” من عاداته المعروفة، يبدو في حالة هذه الاتفاقية تحديداً، وكأنه محاولة “كارثية” لإطلاق جولة جديدة من سباق التسلّح – تبدو بدورها “أمراً ممكناً”- تضعف موسكو، وبكين طبعاً، كما حصل في سباق التسلّح الشهير في عهد الرئيس الجمهوري الآخر رونالد ريغان.

بيد أن الأمر لا يحدث كما نريد دائماً، فحين أُبرمت المعاهدة السابقة كان الهدف منها، كما مثيلاتها من المعاهدات الدولية التي وقّعتها واشنطن، “أن تجعل الولايات المتحدة والعالم أكثر أمناً”، ويبدو أن ذلك لن يكون ممكناً في عهد ترامب، الذي يعتقد أن إدارته حققت “أكثر مما حققته أي إدارة أميركية أخرى في تاريخ الولايات المتحدة”، كما قال من على منبر الأمم المتحدة، لأنه وهو يرفع شعار “أمريكا أولاً”، ويعيد رسم السياسة الخارجية الأميركية، والدور الأميركي في العالم بهدف إخافة الدول المختلفة وابتزازها، لأن مهمته الوطنية والمقدّسة تحتّم عليه “استنقاذ الولايات المتحدة من براثن الابتزاز والاستغلال من الآخرين جرّاء غباء الإدارات الأميركية السابقة”، يتغابى، بدوره، عن حقيقة واضحة وضوح الشمس، مفادها أن نهج إلغاء المعاهدات الدولية الذي يتبعه لا يترك أمام الآخرين من طرق وحلول سوى الدخول في سباق تسلّح محموم بحثاً عن أمن مشروع ومطلوب، أو تحقيقاً لمطامع ومصالح وأوهام “هتلرية” لا يبدو هو ذاته بعيداً عنها، وهو بذلك يخاطر باندلاع نزاعات كبرى في عالم تتكدّس فيه الأسلحة بما يكفي لتدمير الكوكب كله مرات متعددة.

المهم، والمؤسف، أننا كعرب، نعيش ضمن هذا المشهد السياسي العالمي العاصف والمتحرّك، خارج هذه القضية بالكامل، فنحن لم نستغل، سابقاً، وجود واشنطن في الاتفاقية للضغط عليها من أجل رفع الغطاء عن السلاح النووي الإسرائيلي الذي يهدّد الشرق الأوسط برمته، ونحن أيضاً لن نستغل، الآن، تقويض هذه المعاهدة كي ننتج سلاحاً نوعياً لضمان أمننا في تلك الغابة الدولية التي يجول فيها أمثال ترامب ونتنياهو، فذلك، أي إنتاج السلاح، يحتاج إلى إرادة ومال، وإذا كانت الأولى مغيّبة منذ زمن طويل، فإن المال مالَ إلى جيب “ترامب” وغيره من “السادة البيض” قبل خاشقجي و”جريمة القنصلية”، فكيف ما بعدها؟!!..

أحمد حسن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لا تعليقات