في الذكرى 71 لتأسيسه البعث أكثر تجذراً في التربة الوطنية السورية

بقلم الرفيق هلال الهلال

الأمين القطري المساعد للحزب

لعل ما يعطي الاحتفال بالذكرى الحادية والسبعين لتأسيس حزب البعث العربي الاشتراكي قيمة مضافة، ويخرجه من الإطار النمطي، هو أن يكون مناسبة لطرح بعض الملاحظات حول الأداء الحزبي في سياق نهج المراجعة النقدية الذي قام الحزب بتعزيزه في السنوات الأخيرة التي واجهت فيها سورية أخطر التحديات وأصعبها في تاريخها الحديث والمعاصر، مع التأكيد البديهي هنا على أن الأحزاب لا تستطيع الاستمرار في النهوض برسالتها، والقيام بدورها الفاعل في دولها ومجتمعاتها، ما لم تستجب لتحديات الواقع، وتتفاعل مع متغيراته، وقد عكس المؤتمر القومي الرابع عشر للحزب “ديناميكية فكر وتنظيم البعث الذي كان ولايزال قادراً على التكيف حسب الظروف المحيطة به دون التخلي عن مبادئه”، كما أكد الرفيق الأمين القطري للحزب بشار الأسد.

لا يحتاج البعث في هذه المناسبة الغالية على قلوب البعثيين، والتي تتزامن مع تحقيق الجيش العربي السوري نصراً استراتيجياً في الغوطة الشرقية، إلى تلميع صورته، ولا إلى تعداد إنجازاته، وتبيان حيوية الدور الوطني والقومي الذي قام ويقوم به، فما من أحد يتحلّى بالحد الأدنى من الموضوعية والنزاهة السياسية يمكنه تجاهل تلك الإنجازات، وإنكار ذلك الدور، لذا فلن أتحدث عن الصفحات الناصعة في تاريخ البعث، ولا عن دوره في بناء الدولة السورية الوطنية الحديثة، وحمل المشروع القومي النهضوي، والنضال المستمر في سبيل تحقيق أهدافه، ولن أتحدث عن دور الحزب في التصدي، فكرياً، وميدانياً، واجتماعياً للعدو الإرهابي التكفيري، منذ أن شُنت الحرب الكونية الشرسة على سورية عام 2011، وهو دور كان له أبلغ الأثر “في صد الهجمة التي استهدفت ضرب الشعور القومي العربي في محاولة لتقسيم الشعب العربي حسب الانتماءات الطائفية والعرقية”، كما أوضح الرفيق الأمين القطري للحزب أيضاً، فكل هذه الأمور حقائق تتحدث عن نفسها، ولا ينكرها إلا عدو أو جاحد، كما لن أتحدث عن الحراك التنظيمي والفكري الخلّاق والواعد الذي شهده الحزب في السنوات الأخيرة، وفي استجابة للتحديات الجديدة التي فرضتها ظروف الحرب، وأدى إلى تجديد البنيتين التنظيمية والفكرية للحزب، وتخليص حياته الداخلية من بعض السلبيات التي أضعفت دوره، وأبطأت إيقاع حركته النضالية، فهذه أيضاً أمور معروفة للجميع، وهي تندرج في سياق أداء منهجي مستمر مازال الحزب يقوم به، منفّذاً توجيهات الرفيق الأمين القطري للحزب، ومستلهماً كلماته، ومقتدياً به فكراً وسلوكاً، للارتقاء بهذا الأداء إلى أرفع مستوى، وتصحيح أي انحراف يظهر في أي مفصل من مفاصل العمل الحزبي تصحيحاً سريعاً وملائماً.

الارتقاء بالعمل الحزبي إلى أرفع مستوى، بما يمكّنه من القيام بالمهمات الوطنية والقومية التي تطرحها المرحلة الراهنة، على أكمل الوجه، هو ما ينبغي التركيز عليه في هذا المقام، ولابد لي من القول “بكل شفافية”: إن الحزب، بالرغم من أهمية الأشواط التي قطعها، على طريق الوصول إلى ذلك الهدف، مازال يطمح إلى الأفضل، وإن معظم البعثيين، قواعد وقيادات، يمتلكون إرادة العمل المخلص في هذا السبيل، ويُظهرون تمسكاً قوياً بحزبهم، وتصميماً أقوى على أن يجعلوه حزب الحاضر والمستقبل، وقد تسنى لي ولرفاقي، من خلال الجولات الميدانية في المحافظات، والجامعات، والمدن، ولاسيما تلك التي حرّرها جيشنا الباسل من الإرهاب الأسود، أن نتأكد من أن مبادئ البعث وقيمه مازالت متجذّرة في نفوس البعثيين كالأشجار في أرضنا الطيبة، وأن البعث لم يفقد شيئاً من ألقه وشعبيته في تلك المناطق، بل إن المواطنين الذين عانوا من فظاعات الفكر الإرهابي التكفيري، يعيدون اليوم اكتشاف قيمة البعث التنويرية، ودوره في الاندماج الاجتماعي والوطني، فضلاً عن المكاسب الاجتماعية، والاقتصادية الكبيرة التي تحققت لهم في ظل سلطته.

لقد شكّلت الحرب غربالاً حقيقياً أبقى فقط على البعثيين الحقيقيين الذين يمثّلون، كماً ونوعاً، مركز الثقل في الحياة الحزبية السورية، لا لأن حزبهم هو في موقع الحكم، كما يزعم البعض، بل لأنهم يشكّلون القوة المنظّمة الأكبر والأقدر على حماية الثوابت الوطنية للدولة السورية، والتصدي لأي حل سياسي لا يعبّر عن إرادة الشعب السوري، ولا يترجم تطلعاته الحقيقية. وعندما يقول أحد “المعارضين”: “إن البعث منافس لا يُستهان به، فهو لايزال يمتلك خبرة تنظيمية، وقواعد حزبية ناجزة على مستوى الجغرافيا السورية، ولايزال بعضها يمارس نشاطه حتى الآن في المناطق الخارجة عن سيطرة الدولة”، فإن هذه الشهادة تعني أن المعارضة العميلة التي صدّعت رؤوسنا بتفاهاتها عن نهاية البعث، إنما تقول ذلك من قبيل الحرب النفسية لا أكثر، لأنها تعلم تماماً في قرارة نفسها أن هذا الحزب متجذّر في التربة الوطنية السورية، وغير قابل للاجتثاث إلا في الخيالات الواهمة والمريضة.

على أن هذه الثقة العالية بالنفس لدى حزبنا العظيم لا تجعله يخلد إلى الراحة والاطمئنان، بقدر ما تعمّق شعوره بمسؤوليته الوطنية والقومية في هذه المرحلة الدقيقة، وتدفعه، أكثر من أي وقت مضى، إلى تفعيل النقد والنقد الذاتي، ومعالجة السلبيات، والارتقاء بالأداء إلى المستوى الأمثل. وفي هذا الإطار يأتي التركيز المتزايد على وظيفة الحزب الاجتماعية، وعلى وضع وتنفيذ البرامج التي تلبّي احتياجات المواطنين، وربط نظرية الحزب بهموم الناس اليومية، وتعزيز مكانة المثقف الحزبي النقدي، ومراكمة نتاج نظري وفكري بحثيّ، وتوسيع القاعدة المعرفية للخطط التثقيفية، وإيلاء المسألة التنظيمية الاهتمام الفكري اللازم، وتشجيع المبادرة الفردية، وإبراز المضمون الاجتماعي والاقتصادي للمشروع البعثي، وتفعيل التعبير الفكري والسياسي عن التنمية المستقلة، والعدالة الاجتماعية، وتطوير الخطاب الحزبي وأدواته ووسائله بما ينسجم مع معطيات العصر، وثورته المعلوماتية، وإفساح المجال للشباب وطاقاتهم الخلّاقة، وحماية الاهتمامات الثقافية والإبداعية والفنية من التغوّل السياسي والأيديولوجي، وإزالة ما تبقّى من مظاهر البيروقراطية، وتفعيل دمقرطة الحياة الحزبية… وغيرها من متطلبات تطوير الأداء لبلوغ الارتقاء المنشود، بما يزيد قوة الحزب، ويعزز جماهيريته في مواجهة الاستحقاقات الوطنية، والمهمات القومية.. ولـ “البعث” من المؤهلات والإمكانيات الذاتية، فضلاً عن الإيمان بالمشروع، وعمق التجربة، وثراء الخبرة، ما يجعله على أتمّ الاستعداد لذلك.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لا تعليقات