في المؤتمر القومي الرابع عشر: حيويّة النظريّة والممارسة

تتوالى ردود الأفعال على انعقاد المؤتمر القومي الرابع عشر لحزب البعث العربي الاشتراكي في دمشق 14/5/2017، من مختلف المستويات داخل القطر العربي السوري وخارجه وهي في أغلبها، وطبقاً للواقع وبكل موضوعية، ردود إيجابية واعدة، ولهذا أسباب من أهمها:

< تطلّع جماهير شعبنا وحزبنا في سورية والأقطار العربية، ومن مختلف القوى السياسية والتيارات الوطنية والقومية التقدمية، إلى الدور المنشود -التاريخي والراهن والمستقبلي- الذي نهض به، ويمكن أن ينهض به الحزب في مجابهة التحديات والمؤامرات التي تهدد الشعب والأوطان والأمة، ولاسيما من التحالف الوحشي الصهيوأطلسي- الرجعي العربي ومخاطر هذا التحالف على مصالح الشعب وقضايا الوطن والأمة ولاسيما القضية المركزية، ودعم التحالف للمشروع الإرهابي في المنطقة بشقيه الصهيوني، والتكفيري.

< لقد طال انتظار هذه الجماهير لفاعلية هذا الدور على المستويين القطري والقومي، وهي ترى بعين الحقيقة والواقع تعثّر، بل تراجع العمل الحزبي القومي ومؤسساته ممثلة تحديداً بالقيادة القومية السابقة التي أثقل كاهلها مرور الزمن وقساوة الظروف ولم تستطع النهوض بالمُلقى على عاتقها، لا على مستوى النظرية، ولا على  مستوى الممارسة.

< لم يتضمن أغلب هذه الردود قبولاً  بالمنطق التبريري لأوجه التقصير والتراخي والتماس الأعذار لما وقعت به ليس فقط القيادة القومية السابقة من عجز عن تحقيق طموحات هذه الجماهير، بل ولما وقعت به معها سائر القوى والتيارات القومية واليسارية على الساحة العربية أمام طفو آثار سياسات البترودولار على الواقع العربي، على الحقوق والواجبات، على الطاقات والقدرات، على المصير والهوية، على الوعي والانتماء. فرزحت المجتمعات العربية ومعها الأوطان والأمة تحت معاناة مريرة تجلت بتوسّع مساحات الدمار المعنوي والمادي لتشمل الأمة بأكملها.

< رأى أغلب رفاقنا وأصدقاؤنا أن التباعد الزمني بين عقد المؤتمرين القوميين الثالث عشر والرابع عشر للحزب ليس مسوّغاً على الإطلاق لحالة التراخي التي أرخت بظلالها على الأحزاب والمنظمات أيضاً، وأن التراخي التنظيمي ليس بالضرورة أن يرتبط بالنظري، ولذلك جاء انعقاد المؤتمر الأخير ضرورة تنظيمية ونظرية، وإن كان تـأجّـــل البتّ مؤقتاً في نص الميثاق القومي للبعث بسبب أولوية الاتفاق على “مشروع القواعد التنظيمية العامة” الذي أُقِرّ في ختام أعمال المؤتمر.

< جاء انعقاد المؤتمر على وقع انتصارات نوعيّة للصمود العربي السوري تحققت بإنجازات تاريخية للجيش على امتداد أرض الوطن، وتحديداً في محيط العاصمة -مكان انعقاد المؤتمر- انتصارات تكرّس ثقة الشعب العربي بخروج سورية أكثر قوةً، ما يؤذن بنسغ جديد، ومدّ قوي، ودفع فاعل لحركة هذه الجماهير ولإرادتها ولطموحاتها وتطلعاتها وهي ترى هزيمة الإرهابيين التي تعني بالدرجة الأولى هزيمة مشروع، قبل ما تعني هزيمة فلول وأفراد ومشغلين، فكانت هذه الانتصارات التي عُقد المؤتمر في رحابها تلبية واعدة لحاجة المدّ الوطني والقومي العربي إلى آفاق جديدة تفتح كوى عديدة وواسعة للتفاؤل وللثقة بقدرة المشروع الوطني والقومي على هزيمة المشروع الصهيوأطلسي – الرجعي العربي، وهي حاجة ماسّة ترنو إليها أطياف واسعة من الشعب العربي في مختلف أقطاره، فكان انعقاد المؤتمر لحظة وفرصة مناسبة لإعادة صياغة أسس جديدة واعية وواعدة للعمل القومي العربي.

< تأسس عدد غير قليل من هذه الردود على المنطلقات التي بُني عليها حديث سيادة الرئيس بشار الأسد الرفيق الأمين القطري للحزب في لقائه مع وفد القيادات القطرية للحزب المشاركة في المؤتمر. الحديث الذي لاشك يشكّل موقفاً مفصليّاً في أدبيات البعث وتاريخه النضالي نظراً إلى اختزاله مقومات العمل الحزبي ومستلزماته على مستويي النظرية والممارسة، هذا الحديث الذي يُعدّ تطويراً وتوسيعاً لحديث سيادته أمام اجتماع اللجنة المركزية الموسّع للقطر السوري الشهر الماضي والذي سيجد فيه رفاقنا في الأقطار العربية ومعهم سائر التيارات الوطنية والعروبية والتقدميّة رؤية لـ”صد الهجمة التي استهدفت ضرب الشعور القومي العربي، ولمحاولة تقسيم الشعب العربي حسب الانتماءات الطائفية والعرقية” كما ستجد فيه الأجيال الطالعة أملاً، لأنه على الحزب أن “يخاطب الأجيال الشابّة بلغة عصرية تتناسب مع التحديات الراهنة والتي تختلف عن التحديات في المراحل السابقة”. ولعل من أهم ما في الحديث، وما في المؤتمر، هو رفع المركزيّة وحالة الوصاية السابقة اللامجدية من حيث التأكيد على “المشاركة الواسعة لقيادات وقواعد المجلس القومي في وضع ميثاق قومي للبعث يتناسب مع المتغيرات ويراعي خصوصية كل قطر”.

إن ما ورد في حديث الرفيق الأسد، بل في حديثيه، يساعد بل يؤسس بفاعلية لوضع ميثاق واعد ومأمول، ولذلك حسناً فعل أعضاء المؤتمر بتأجيل البت بإقرار الميثاق في الجلسة الختامية للمؤتمر وإحالة ذلك إلى أولى مهام المجلس القومي.

هذه الردود والملاحظات تتوافق مع مناخ الانسجام والتوافق الذي ساد جلسات انعقاد المؤتمر فكان هناك تفاعل إيجابي بين جميع الحضور تجلّى فيه الوعي التنظيمي والفكري… ما “يعكس قدرة البعث على تلبية متغيرات العصر” وحيوية هذا الحزب بنظريته وبكوادره وبجماهيره أيضاً.

د. عبد اللطيف عمران

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لا تعليقات