في المحصلة النهائية!..

هذا المقال رقم : 5 من 57 من العدد 2018-10-4-16202

 

في المحصلة النهائية، ليست العلاقات العربية العربية مسألة رغائب أو أمزجة، وهي ليست فانتازيا سياسية أو هرطقة إيديولوجية؛ هي واقع حي ومعاش، وانتماء موضوعي، ومعطى جغرافي وتاريخي، ومسألة مستقبل ومصالح، مستقبل سورية – كما كل دولة عربية – في أن تستقر في إطار حاضنتها العربية الطبيعية؛ وإن كان هناك من ملاحظات واتهامات ومآخذ – وهي موجودة وأكثر من أن تحصى عملياً – فإن الفرصة التاريخية متوفّرة اليوم، اليوم وليس كل يوم، لغرز السكين عميقاً في الجرح، واستخراج القيح الفاسد، فما مرّ به العالم العربي طيلة السنوات الماضية لم يكن عادياً، ولم يكن بسيطاً، وليس من اليسير إشاحة النظر عنه أو تجاوزه، بل هو يحتاج إلى “ثورة مضادة” بكل معنى الكلمة: ثورة على الذات ومن أجل الذات، وعلى الواقع المريض والراكد من أجل بناء علاقات حقيقية مفعمة بالحرص المتبادل ووعي المصالح المشتركة، وعلى المفاهيم الهزيلة والبائسة التي فرضت نفسها خلال حقبة طويلة سابقة من أجل تكريس أسس وأساليب عمل وتفكير جديدة، والمضي معاً في موكب واحد من الضوء والحقيقة والكرامة.
وإذا كان صحيحاً القول: إن الدول والأنظمة العربية قد تخلّت عن سورية، وتآمرت عليها، وتحالفت مع أعدائها، على امتداد فترة الأزمة، بل وقبل الأزمة، ولربما بعدها، فمن الأولى القول: إن سورية مابعد الحرب، وإلحاق الهزيمة بالإرهاب العالمي، حاجة وضرورة عربية، وليست عبئاً يمكن أن يجر إلى الاعتذار والمزيد من المتاعب، وأن دروس الحرب، خاصة، تستدعي، وبكل ثقة وقوة، أن تخرج سورية إلى عالمها العربي لأداء الواجب واستكمال الرسالة، فالأنموذج الذي سوف تستقر عليه سورية مابعد الحرب، أنموذج الدولة الحديثة بمجتمعها المقاوم، سيشكّل القدوة للأنظمة والمجتمعات العربية التي تعيش نوعاً من الأزمات المؤجّلة، بالتحدّيات نفسها، والأدوات والأساليب والاستهدافات نفسها، وبدرجات متفاوتة، فالإرهاب والتطرّف والتعصب والاستقواء بالأحنبي والالتحاق بالمشاريع الخارجية والعمل كذراع تنفيذية للحروب بالوكالة، كلها أمراض تبدو “الحِراكات” السياسية العربية مرشّحة للإصابة بها حتى إشعار آخر، وإلى أن تدرك الأنظمة العربية القائمة، بكل ما تنطوي عليه من سذاجة وعمالة وتبعية، أنه لن يكون هناك رابح وخاسر، وأن الجميع سيدفعون الضريبة مزدوجة، وأن كل يوم يمرّ إنما يؤكّد ذلك؛ وأن نظرة سريعة عابرة تكفي للتدليل على عمق خيبة وفداحة خسارة التيه العربي الراهن، في المغرب والمشرق، وفي الخليج خاصة، حيث تدفع ملكيات ومشيخات الذل، قبل غيرها، ضريبة رهاناتها الفاشلة وارتمائها الأعمى في أحضان التبعية.
ولكن أية عودة سورية مرتقبة إلى العالم العربي ستبقى مشروطة، ليس بحيثيات الصعود السوري وحسب، وإنما أيضاً بقوة المتغيّرات والديناميكيات التاريخية الجذرية التي قلبت العالم العربي خلال السنوات الماضية رأساً على عقب، فالنظام العربي القديم قد انتهى وإلى الأبد، وليس ممكناً العودة إلى مؤسسات ومنظومات عمل فاشلة سقطت أبشع سقوط في امتحان الدفاع عن سيادة الدول العربية ووحدة أراضيها واستقرارها السياسي والاقتصادي والاجتماعي، لا بل ودعمت استخدام الإرهاب وتجنيد الإرهابيين من خلال إلقاء غلالة مستعارة من الشرعية على الحروب بالوكالة، وسهّلت استقدام الأحلاف العسكرية الغربية لقلب الأنظمة الجمهورية، وباركت التطبيع مع “إسرائيل” خدمة لأجندات سياسية شخصية لبعض الأنظمة العربية. لقد استخدمت “الجامعة العربية”، المؤسسة المريضة والمتهالكة، مطيّة في عملية واسعة لإعادة ترتيب الأولويات، وإذكاء النزعات والمحاور الإقليمية والمذهبية، وشجّعت على المدى البعيد على الاعتراف السياسي بشرائح انتهازية مدعية تتنطّح للعمل السياسي وتطرح مقاربات مجتمعية تشكيكية وعدمية تصب في نهاية المطاف، وتحت شعارات مزيفة من الحرية، بخدمة التدخل الخارجي والمطامع الأجنبية والدعاوى الاستعمارية الجديدة.
.. في المحصلة النهائية، ليست المسألة أن علينا ألا ننسى، بل ما سوف يتعيّن أن نتذكّره، وأن نستوعبه، وأن نستخلصه من دروس تاريخية، فالعروبة عمقنا الحضاري وهي مستقبلنا الأكيد، وليس لنا أي مستقبل خارجها، والعالم العربي هو العالم الذي بنته بلاد الشام من محيطه إلى خليجه، وهو البيئة الحيوية التي سيتحرّك فيها شعبنا طالما أن سورية باقية شامخة ومشرئبة على شرق المتوسط، وطالما أن اللسان العربي قائم أيضاً، وأن العربية هي اللغة المقدّسة للشعر والإبداع، بما فيها من طاقة جمالية ومعرفية لاتزال تستحوذ على إعجاب وزيرة خارجية النمسا والتي تغنّت بالتحدّث بها من على منبر الجمعية العامة للأمم المتحدة.
سورية عائدة إلى “دورها المحوري العروبي الداعم لقضايا الأمة، كما كانت من قبل”، كما قال السيد الرئيس بشار الأسد.. عائدة بشموخ وقوة وخبرات قومية جديدة. إن سورية اليوم، وأكثر من أي وقت مضى في التاريخ العربي الحديث، ضرورة عربية.
بسام هاشم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لا تعليقات