في بعض أسباب تعثر العرب في العصر الحديث

هذا المقال رقم : 35 من 63 من العدد 2019-1-10-16267

أ. د. كامل صالح أبو جابر

كاتب في الشؤون السياسية من الأردن

لماذا ما زلنا نحن العرب نجد أنفسنا غرباء في العصر الحديث، وكأن مفاهيم وأساليب الحضارة الحديثة مستعصية علينا؟. كنّا وحضارة الغرب على مستوى التقارب جداً حتى لحظة ما في نهاية العصور الوسطى، فما الذي حدث عندهم ولم يحدث عندنا حتى انطلقوا هم في تقدمهم التكنولوجي حتى وصلوا إلى الأفلاك وسبروا غور المحيطات، بينما ما زلنا نتخبّط نضرب الأخماس بالأسداس في حال من المخاض: قَدَمٌ في الماضي المجيد وأخرى تتلمّس بحذر وخوف أبعاد الحاضر غير قادرة على الولوج إلى المستقبل. هل بمقدورنا أن نتعرّف على القوى التي ما زالت تشدنا إلى الماضي بحيث ما زلنا نستمر في حال المراوحة مكاننا غير قادرين على الإفلات منها؟!.

تعود جذور النهضة العربية إلى جهود محمد علي الكبير إثر غزوة نابليون إلى مصر، حين قام بإرسال عدد كبير من الطلبة في بعثات إلى مختلف دول أوروبا لدراسة أسباب تقدمها، ومن هؤلاء الطلبة أربعة من أبنائه. بعد سبعين عاماً قام الإمبراطور الياباني المييجي إثر الغزو الأميركي لبلاده بما قام به محمد علي ما يوجب السؤال الصعب حول أسباب ما حدث في اليابان من تقدم تكنولوجي واجتماعي ولم يحدث في مصر والعالم العربي. ويزداد الأمر وضوحاً حين النظر إلى التقدم الهائل الذي حصل في الصين منذ بداية عهد رئيسها السابق دنج شاو بنج سنة 1983.

هذه التساؤلات وغيرها على جانب كبير من الأهمية لا لمجرد تفسير أسباب أحوالنا في هذا الزمن الرديء وحسب، بل لضرورتها القصوى لمستقبل الأجيال القادمة كي تتمكن من الدفاع عن نفسها في وجه أعاصير المستقبل وتحديات حضارة الغرب الغازية والجسورة على اللجوء إلى العنف متى اعتقدت ذلك ضرورياً للحفاظ على مكتسباتها.

سهل جداً إلقاء اللوم على الاستعمار والغرب والصهيونية، وصحيح جداً أن الصراع المتجدّد مع الغرب عبر التاريخ على روح وإمكانات المنطقة كان وما زال عاملاً أساسياً في حال التردي التي نحن فيها، ولكن لا بد من أن نبحث في الأسباب المجتمعية الداخلية في نسيج حضارتنا العربية الإسلامية التي كان لها الدور الأكبر في استمرار حال تخلفنا عن مواكبة ضرورات العصر.

وأبدأ بالقول إننا أمة وسيطة حضارياً من الناحيتين الجغرافية بين القارات قلب العالم القديم، حيث تنبع أهميتها من أنها تسيطر على الممرات الأرضية والمائية والجوية، أضاف إليها اكتشاف النفط في العصر الحديث أهمية فوق أهميتها التاريخية، كما أننا أمة وسيطة زمنياً بين حضارات العالم القديم والحديث، يعتقد أهل الغرب أن لهم مصلحة حيوية في منطقتنا لا بد لهم من محاولة السيطرة عليها إما مباشرة أو على الأقل عن بعد، ولعله من المناسب كذلك الإشارة إلى أننا حضارة تثمّن حياة الإنسان، لا تميل إلى العنف إلا في أحوال معينة وتجنح للصلح في معظم الأحوال.

وقد مهّد للجنوح نحو السلام وعدم اللجوء إلى العنف دينا المنطقة الرئيسيان عبر التاريخ الإسلام والمسيحية ووسطية المنطقة بين قارات العالم وحضاراته، ما شجع الفكر العربي على التوسط والمفاضلة ما بين بديل وبديل بدلاً من التخشب والالتزام بنهج واحد في التعامل مع الحياة، وهكذا يمكن القول إن حضارتنا العربية الإسلامية الرائعة بتعدديتها الممثلة بنظام الملل والنحل الذي وصلنا عبر الإمبراطورية العثمانية المستندة في أصولها إلى صلب عقيدة الإسلام تشجع الإنسان العربي على نحو معيّن من الحياة قوامها التجارة بدلاً من الإنتاج، يغلب عليها طابع قبول الفرد للحياة ضمن نمط وإيقاع وتكرار حتى رتابة، الحياة داخل الملة أو النحلة اجتماعياً أو ضمن الحياة التجارية الرتيبة في أسواق تسير حسب روتين حياة لا يشجع على الخروج عن القاعدة أو النمط الذي هو فيه، بحيث أن حتى فكر الإنسان يسير ضمن قنوات حدّدتها القيم الروحية وطقوسها والجذور العميقة لثقافة الدين لدينا.

فالحياة داخل المدن والقرى والأرياف وحتى البوادي تسير حسب أصول معيّنة صعب الخروج عن قواعدها، والأسواق في قصبات المدن مصنّفة حسب الحرف التقليدية: أسواق النحاسين، النجارين، الفضة، الذهب، الملابس، الأحذية، والقرية كما المدينة تسير حسب المواسم بحيث كان الوقت تقريبياً صيفاً وربيعاً وشتاءً وبحيث حتى المسافات تقريبية لأهل المدن والبوادي على حدّ سواء، وقد تقهقرت الحياة على مدى قرون الإمبراطورية العثمانية بحيث عادت مساحات شاسعة من بلاد الرافدين وسورية الطبيعية إلى نوع من عقل الصحراء وفكر وحياة البداوة، حيث للزمن إيقاع بطيء وللمسافة أبعاد تقريبية بين حمى قبيلة وأخرى، ولم يكن لدينا حدود جغرافية بين بلد وآخر، ونمت عندنا كذلك في أجواء الصحارى الشاسعة نزعة الاعتماد على عوامل الطبيعة، وفردانية تحتقر العمل اليدوي والجماعي بآنٍ واحد.

واستقرت الحياة على نحو معيّن من النمط والتماثل والروتين، بحيث كان من الممكن التعرف على الفرد ذكراً أو أنثى من لباسه، إذ كان لكل قبيلة نوع من الزي وحتى في المدن كان من السهل التعرف على سيدة من لباسها الحلبي أو الشامي أو الكركي أو السلطي أو البغدادي، هل هي من بيت لحم أو من المجاورة لها بيت جالا؟.

حتى الكلام المتداول بين الناس كان يسير على نمط وأسلوب معيّن في الخطابة، تكثر فيه الأمثلة الشعبية التي تسهل عملية انتقال الأفكار دون جهد كبير والتي تشجع على قبول الحياة كما وردت، فارتفعت قيم القناعة والقسمة والنصيب، الأصل أن يقلد الخلف السلف وأن يتقبل الإنسان الموجود وعدم الخروج عن النمط المألوف الذي إن حصل يعتبر أحياناً حراماً أو عيباً، ننبهر بالكلمة وبالبلاغة وننسى الجوهر، وللشعر قافية وإيقاع من المستحسن عدم الخروج عنها، وحتى الحداء والغناء والرقص والدبكة تسير حسب إيقاع معيّن داخل كل مجموعة أو مكوّن من مكونات مجتمع الملل والنحل، الأصل هو التقليد واتباع النمط السائد المقبول اجتماعياً، مجتمع يضع قيمة الاستقرار فوق كل قيمة أخرى تعايشت فيه المكونات المجتمعية المختلفة في ظل دولة بعيدة عن الناس من النواحي النفسية وحتى الجغرافية لا تتدخل في حياتهم إلا من النواحي الأمنية، دولة أقوى من شعبها غير معنية لا برخاء حياتهم ولا أي تفكير لديها حول المستقبل، وصلتنا عبر قرون الإمبراطورية العثمانية لتصبح مجرد حارس للأمن وجابٍ للضرائب وكلاهما غير مرغوب به، ما شجع النظرة السلبية للناس تجاه الدولة وقاد إلى مجتمع هشّ سهل الاختراق.

استقرت الحياة قبل وبعد الحقبة العثمانية على هذا النحو وأسلوب الحياة، عقل مدجن يعتمد الحفظ عن ظهر قلب وكأن للمعرفة حدوداً وأسلوب حياة رتيباً منمطاً يصعب الخروج عنه، ونسينا أساليب الاعتماد على العقل والتجربة والخطأ التي تعود إلى أفكار عالمنا العربي الحسن ابن الهيثم، واستكان المجتمع كبركة هادئة جاءت حملة نابليون بونابرت في نهاية القرن الثامن عشر وكأنها صخرة ضخمة سقطت فيها لا تزال تفاعلاتها معنا حتى اليوم، حيث نستمر في البحث عن المعادلة التي قد تعيد إلى الأمة توازنها.

اعتاد إنساننا وكذلك جماعاتنا على فكر وروتين النمط الذي يغني عن التفكير، بحيث لا يجهد الإنسان نفسه في البحث عن حل، فالأمور تجري تلقائياً، ولكل مناسبة كلام ولكل كلام أو سلام ردّ معيّن، والكل يعرف الكل ويعرف مقام ومنزلة الكل داخل المكون الاجتماعي الذي بدوره يعرف منزلته ومقامه ووزنه الاجتماعي داخل المجتمع الكبير، والحياة تسير بيسر ولو على القلّة، وتغذّى الوعي وحتى اللاوعي بقبول الأمور كما وردت الحال التي شجعتها نزعة العرب للاعتماد على الوساطة والتجارة للكسب بدلاً من الإنتاج والخلق والإبداع.

أما سياسياً وحتى اجتماعياً فالأصل هو الطاعة، الطاعة للدولة ممثلة بحاكمها مهما اختلف لقبه، والذي لا يجوز الخروج على طاعته أو مساءلته، فهو نبع الشرعية السياسية وحتى أحياناً الروحية، وكذلك كانت الحياة داخل المكوّن الاجتماعي، فلا جدال مع شيخ القبيلة أو مختار القرية أو الحيّ أو شيخ الحرفة، والأمر كان كذلك داخل العائلة حيث كان لقب الأب “رب العائلة” وما لهذه الكلمة من هيبة ووقار الذي تعنيه الربوبية، فالخروج على طاعته عقوق له أبعاد اجتماعية ودينية في آن واحد، العائلة في القبيلة أو الملّة أو حتى الدولة هرمية البنيان وعلى رأس أولوياتها الاستمرار والاستقرار، غير مسموح النقاش داخلها حول مواضيع السياسة أو الدين أو الجنس، الأمر الذي قاد إلى السكونية التي لا تعني الرضى بل الرضوخ، فتقول الأم لابنها “أسكت يا ولد” الكلام للكبار أو “إن شاء الله تطلع مثل أبوك” رغم كونه غبيّاً أحياناً.

الأصل كان عدم الخروج عن النمط الذي تمليه المؤسسات السياسية والاجتماعية أو ما تمّ التعارف عليه من عرف وعادة، حتى نما الحسّ لدى البعض وكأن عقل الإنسان قاصر أو ناقص، هذا العقل الذي منذ نعومة الأظفار يُدجن ليقبل ما تُجمع عليه الجماعة من رأي، وعلى من كان له رأي مغاير أو أسلوب جديد أن يخفيه وأن يتستر عليه، الأمر الذي كان يصل أحياناً إلى أن يبدي الإنسان ما لا يُضمر وأن يلتحف بعدد من الوجوه يصلح بعضها لمهام ولكن ليس لأخرى، فالأصل أن تتماشى رغبة الإنسان مع الجماعة وأن يفكر بأسلوبها ومن خلالها وأن تندمج شخصيته في نسيجها، ومن كان غير ذلك فهو غريب سرعان ما ترفضه الجماعة فالأهمية ليست للفرد وإنما لكونه جزءاً من الجماعة.

في مثل هذه الأجواء السكونية والسير في مسارات فكرية وسلوكية معيّنة اختلط المقدس بالوضعي وعزف الناس عن التفكير وتغلب الطقس والمظهر على الجوهر، حيث قاد تفضيل الحياة الأخرى على الدنيا وما صاحبه من إعلاء قيمة القناعة والقبول بالمقسوم المقدر؛ قاد إلى إحساس قويّ لا شعوري بأن الإنسان غير قادر على التقدم والتطور والنظرة المستقبلية وكذا فقدان روح الأمل لا بل حتى الاستسلام.

إذاً بمقدار ما هي مشكلتنا مع الغرب الغازي لنا مشكلة كامنة في ذات أنفسنا ومجتمعاتنا، تجذّرت عبر عصور الركود والانحطاط واستكانت إلى أسلوب حياة وتفكير أقرب إلى العزوف عن الانخراط في السعي في الحياة الدنيا، جاءت غزوة نابليون لتمثّل هجمة أخرى من هجمات الحضارة الغربية التي ما زالت تنتج وتتدفق حيوية ونشاطاً والتي بدلاً من مواجهتها كما فعلت اليابان وفيما بعد الصين بأسلحة العقل الذي هاجمتنا هي فيه، حسبنا أن الخلاص هو في التقوقع والهروب نحو الماضي والالتزام بما ورد من السلف، وإذا ما شئنا لأولادنا وأجيالنا في المستقبل أن يكونوا على حال أفضل من حالنا اليوم علينا أن نسلّحهم بنور العقل وكيفية تدبر شؤون الدنيا، هذا ما حصل في الغرب في أعقاب العصور الوسطى.. احتكموا إلى العقل دون التخلي عن دينهم وقيمهم الاجتماعية كما يحلو للبعض أن يعتقد، ولنتذكر أن العقل، كما الإنسان والمخلوقات جميعاً، هو أيضاً من صنع الخالق، وأن الخالق ما صنع هذا العقل وميّزنا به عن مخلوقاته كافة إلا لنستعمله ونصقله.

جاءت غزوة نابليون كزلزال ما زالت تردداته معنا إلى اليوم، وقاد انتقالنا السريع وشبه الفجائي من القرى والأرياف والبوادي إلى المدن كزلزال آخر أضاف إلى ما سبقه من تحديات لمجتمعنا التقليدي حتى أصبحنا اليوم على ما نحن فيه، نعيش في زمنين وعصرين مختلفين كالغراب الذي حاول أن يتعلّم السير كالحجل فكانت النتيجة أنه نسي كيف كان يسير سابقاً ولم يتمكّن من إتقان سير الحجلة، وهي لحظة مخاض تاريخية مليئة بالحيرة وفقدان اليقينية ولكنها مليئة كذلك بالفرص التي تقود إلى مستقبل أفضل.

عن صحيفة الرأي الأردنية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لا تعليقات