في تعميق العلاقات بين الشعبين في سورية وإيران

يبدو السؤال عن تطوير وتعميق العلاقات السورية الإيرانية على المستوى الشعبي للارتقاء بها إلى مستوى العلاقات السياسية والاستراتيجية بين قيادتي البلدين سؤالاً ملحاً وراهناً. إنه السؤال المنطقي الذي يطرح نفسه مع بدء العد العكسي لانتهاء المعركة، بعد سبع سنوات من الحرب القذرة على سورية، ومع قرب الإعلان النهائي عن الانتصار على الإرهاب، وفي أفق التدشين الفعلي لمحور المقاومة كجبهة عريضة وممتدة يتعيّن عليها أن تواصل مهمتها التاريخية والتحررية في ترسيخ مبادئ ومقومات الاستقلال والسيادة في عموم منطقة الشرق الأوسط، وفي التهيئة للربيع الحقيقي الذي تصنعه شعوب غير مُستلَبة، وثورات غير مُستورَدة – وغير مصدَّرة، وفي الإطلاق الفعلي لعملية إعادة بناء النظام العالمي التعددي على قاعدة من المساواة والعدالة الدولية.

ورغم أن البلدين والشعبين يجتمعان على قواسم مشتركة مجتمعية عديدة، ويحوزان على ثقافة سياسية انعتاقية مُتقاربة في الكثير من عناصرها، كما يمتلكان الحيوية الضرورية والمؤهّلة للنهوض والتوسّع الحضاري أفقياً وعمودياً، وقد جمعتهما الكثير من الخيارات والتحدّيات والاختبارات المشتركة، على امتداد العقود الأربعة الماضية، إلا أن البيئة المحلية – والإقليمية – تبدو معاندة في الكثير من جوانبها؛ وهو ما يبدو أمراً طبيعياً ومفهوماً للوهلة الأولى، خاصة في ظل التربّص القائم حيال كل من البلدين، كلاً على حدة، وحيال أطراف معسكر المقاومة مجتمعة، بل ورفع العداء المفتعل تجاههما إلى مستوى التحالف الأمني المعلن مع “إسرائيل”، وتشجيع احتمالات الحرب ضد كل منهما، من خلال التحريض على العدوان الخارجي واستقدام آلة الحرب الأمريكية. ولكنه أمر لن يكون – بالمقابل – متقبّلاً أو مفهوماً إذا أخذنا بعين الاعتبار أن الحرب ضد الإرهاب في سورية إنما خيضت على خلفية الاستهداف المشترك لكلّ من البلدين، وأن الدفاع عن دمشق وطهران إنما تجسّد في معركة واحدة قيّض لها أن تنحصر، لاعتبارات شتى، فوق الأرض السورية، وضد تحالف أنظمة اجتمعت، وتجتمع، على استهدافات ومطامع واستراتيجيات عمل مرحلية وطويلة الأمد، ولكنها متجدّدة عبر تقلّب المراحل، علاوة على أن وحدة المواجهة تعمّدت بالدماء الطاهرة والزكية السورية والإيرانية التي امتزجت فوق تراب سورية.

قد يجد ذلك تفسيره في رواسب وتقاليد وسلوكيات ثقافية وتجارية واقتصادية حكمت توجّه كل من البلدين بعد مرحلة الخلاص من الاستعمار وإنهاء واقع التبعية، وقد يرتبط بطبيعة برامجهما الإيديولوجية والتنموية الداخلية، الجذرية، في مرحلة إعادة بناء الدولة والمجتمع ما بعد الثورة (ثورة البعث في سورية والثورة الإسلامية في إيران)، وبالتأكيد فهو ليس بعيداً حالياً عن مؤثّرات وسموم البروباغندا الوهابية التكفيرية المستعدة لتدمير الإسلام، والعالم الإسلامي، والعلاقات الإسلامية الإسلامية، والعلاقات العربية الإيرانية، خدمة لمشاريع العائلات والمشيخات والممالك النفطية العربية للبقاء في عروشها. ولكن كل ذلك لن يفسّر التقصير الحاصل على صعيد توسيع وتعميق العلاقات بين شعبي البلدين أمام حقيقة أنهما خاضا معاً، بالعرق والدم، وبمجموع الإمكانات والقدرات، معركة وجودية مشتركة تجاوزت هدف تحييد الخيارات السياسية لكل منهما لتصل إلى محاولة تدمير الدولة والشروع بالإلغاء عن الخارطة والعبث بالحدود الإقليمية؛ وبما أنها معركة كانت محكومة، على امتداد مساراتها، بمعادلة أن هزيمة وانتصار أي طرف تعني هزيمة وانتصار الطرف الآخر حكماً، ومعه هزيمة وانتصار بقية أطراف محور المقاومة؛ فهي تقتضي توسيع وتعميق مفهوم المقاومة لتشمل أبعاده التربوية والثقافية والاقتصادية، وحتى الإيديولوجية؛ وهنا قد لا تكون القواسم المشتركة قليلة مرّة أخرى، لا سيما وأن محن وخبرات السنوات الماضية أعادت بلورة الكثير من الطروحات، وعزّزت نوعاً من النزعة الرسالية الإنسانوية المفتوحة على أفق أممي بات واضحاً في خطاب الثورة الإسلامية في إيران.

كما أن خطاب القومية العربية، في سورية، أخذ يكتسب، مع وبعد سنوات الحرب، ملامح أكثر انفتاحاً على صعيد الاعتراف بالآخر في إطار العروبة الجامعة والمنجز الحضاري المشترك، وفي سياق أداء سياسي وميداني يندرج في إطار الدفاع عن الإسلام الصحيح والقيم الإنسانية العليا انطلاقاً من حقيقة أن سورية تكافح الإرهاب فوق أرضها نيابة عن العالم كله.

أخيراً، هناك مسألة قد لا تقل أهمية، وهي أن مهمة الارتقاء بالعلاقات بين الشعبين يجب أن توضع بين أياد خبيرة وأمينة، وألا توكل لبعض الهواة أو قصيري النظر. إن أي خطأ أو سوء تقدير قد يكون مُكلفاً بين شعبين معروفين باعتزازهما بهويتهما الوطنية والقومية والدينية الراسخة، وكان طبيعياً أن يلتقيا في الكثير من المواقف والمنعطفات على قاعدة الفهم المبدئي والعميق للمتغيّرات المعقدة والمتسارعة التي عصفت، وتعصف، بالمنطقة. إن أي تقارب يجب أن يضع نصب عينيه احترام خصوصية الآخر، ورؤيته لذاته، بعيداً عن الاستعارات الساذجة والمُتعسّفة والمتعجلة المقتبسة أحياناً – وللأسف – من سرديات الخصم المشترك.

بسام هاشم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لا تعليقات