في حوار  معه حول معرضه الأخير.. طلال معلا: الشعر موقف من الذات والرسم موقف من العالم

هذا المقال رقم : 17 من 53 من العدد 2018-12-6-16246

أسئلة كثيرة تولدت خلال الحوار مع الفنان والناقد طلال معلا الذي خبر مشاغل اللوحة والشعر والكتابة التشكيلية والأدبية، وخبر وعورة الطريق التي لا بد من سلوكها لبناء ثقافة تنويرية تواكب وتنمو مع الحياة المتجددة.. أسئلة نجد لها الحيز الرحب  من الأجوبة عند الفنان التشكيلي لأنها أسئلة الوجود والجمال والقلق المبدع، هذا القليل من اليقين ربما يكفي الفنان حتى يبدأ رحلة الشوق بأدوات اللون والخط وروح من الشعر وما عاش من ذكريات، هذا الفنان الذي بدأ العودة إلى الأشواق الأولى حسب قوله وهو في خبرة نهاية الستينيات من عمره: “البدايات تذكر بالنهايات والنهايات تذكر بالبدايات، والأهم أن تمر بسلام هذه العاصفة!؟

وجهي وإن بدا لا يشبهني

إنه مشغول بالإنسان ورسم الوجه الإنساني بتلك التعبيرات العميقة: “منذ زمن بعيد أردد أن اللوحة قد تكون مرآة، فهي تجسد اختياري لتصوير الوجوه في شعرية صمتها وشعائرية تحققها، باعتبار كل هذه الوجوه هي وجهي فلطالما تأملتها كيانا متوحدا بفرديتي وعوالمي السرية التي ترفض التفسير أو إضفاء المؤثرات التي تتكئ عليها الوجوه وهي تتفرس مخترقة نثرات الفضة كمادة مرآتية تخلق الانعكاس وتجتذب العقل وتلغي فعل العين في الوجوه، تستعيد حضورها مواجهة انعكاسها ووظيفتها في توليد الحياة، لترتاح من سفرها المبهم في استعادة تدوين نسيانها مبصرة وتفيض غامضة لها شبيه ومرجعية وقد لا تشبه أحدا، مرجعيتها الوحيدة مخزون الذاكرة البصرية منذ الولادة حتى لحظة الرسم، وطلال معلا في وجوهه هو كل الفنانين الذين التهمهم نقديا، غير أنه لا يشبه أحدا منهم، وهو صنيع فكرته عن الجسد حيث تنبثق الشهوة في مكان ما خفي:”هؤلاء وجهي الفكري وموقفي النفسي من الآخرين، هذا هو وجهي وإن بدا أنه لا يشبهني.. أختلف عنهم وأمتلك نفس الأعضاء-الصورة الشخصية واستحالة التحديد- والصورة هي أشكال متخيلة حتى ولو كانت صورة الواقع نفسه، وهنا لا بد من التفريق بين الواقعي والحقيقي كما أميز بين عدة مستويات بين الوجه والرأس بين الوجه والقناع بين أن يكون للشخص مجموعة من الأقنعة الفكرية أو الثقافات، لكن يبقى الوجه هو الأقدر على التعبير.

تردد المعنى

والفن هو حقيقة الواقع، ومابين الافتراض والظل يوجد مسافة كما بين الصمت والسكون، والافتراض أن نفترض أشياء ونتكلم عنها، فالمخيال يتكون من مفردات من الواقع وهي التي شكلت وعي الإنسان، والافتراضي يتكون من أشياء غير واقعية وليست من المعتاد، كما أنه لا يوجد كلمات بدون أشكال، إذا لم يتوفر الشكل لن يتوفر المعنى، فالاشتغال على المعنى هو اشتغال مزدوج بين الخيالي والافتراضي، وما اللوحة إلا وسيط، ليس إلا، للوصول إلى معاني تتشكل في ذهن المتلقي وأحيانا يتجاوز هذا الأمر إلى مقولات أخرى كالتملك والاقتناء والاحتكار، وكلما استطاع الفن أن يسير في مسيرة الافتراض كلما استطاع أن يصل إلى تجاوزات أكثر في مخيال التلقي.

من التعبير إلى التغيير

تبدو رسوم معلا كما لو أنها تنتمي إلى تيار التعبيرية الواقعية غير أنها في حقيقة ما تنطوي عليه إنما يذهب أبعد من التعبير عن الواقع، إلى الحاجة لإنتاج واقع شعري بديل ينسجم مع الحقيقة، ويعتبر الرسم عملية دخول للذات وإظهار موقف ما في سيرة الإنسان وحياته وظروفه، والفن عموما هو تلطيف لحياة البشر، ومهمة الفنان أن يشير إلى النقاط التي تعيق حركة الإنسان، ورؤية الفنان في التغيير هي الأقرب في عمله البحثي، بحيث نتناقش في الأفكار التي يقدمها العمل الفني سواء كان العمل تقليديا أو بالشكل المعاصر، المهم هو أن نتشارك بالأفكار ويكون لنا موقف منها, ومفهوم التغيير هو الأكثر قربا من عملية التحسين والتجميل، وهو الأساس في العملية الفنية، ويضيف معلا: اليوم علينا العودة إلى المقولات الأولى للإنسان في فترات غيبه تطور المذاهب والتقنيات.. علينا العودة إلى حقيقة الإنسان.

التراث والمستقبل

ولن يتطابق المستقبل مع التجارب الإنسانية بين مجتمعات تطورت على المستوى التقني وبين مجتمعات مازالت تراوح مكانها، وبحسب التطور تفقد البنى الأساسية ذاتها، فالمتحف لم تعد له نفس المهمة والقيمة مثلما كان  قبل 20 عاما، وأضحى هناك أشكال من المتاحف المستقبلية، كما أن المتاحف غيرت من هيكليتها ومعادلاتها ووظائفها الأساسية، والمستقبل يقرأ في هذا الحراك مع بداية القرن ومع هذه الاختناقات لا يمكن أن تتضح الرؤية، فهناك قفزات تحصل واليوم يتغير كل شيء حتى وظيفة الفن، ومعنى الفن والفنان والمستقبل مفتوح على أشياء جديدة، فهو غامض مبني على حراك قديم ومرتبط بما نعيش. أما التراث فهو ما نورثه للمستقبل وليس مانرثه من الماضي، والعلاقة جدلية بينهما فالماضي ثابت والمستقبل مفتوح، لذا وجب علينا تصحيح الاعتقادات السائدة حول التراث على المستوى النظري والسياسي، حتى نتجاوز الإعاقات التي كرست العلاقة مع الماضي.

في الصمت

والصمت من المواضيع التي تناولها الفنان معلا في معارضه السابقة ولا زال حاضرا في معرضه الجديد لكن بصيغة أكثر وضوحا، ففي تعريفه للصمت يقول: “الصمت غير السكوت فهو موقف ودعوة للكلام ،أدعو الآخرين أن لا يصمتوا.. ليس أن أسكت عما أريد قوله، فالصمت مفتوح لكن للكلمة معناها هو أن تجمد الأشياء في مكان ما.. ويضيف: سألني أحدهم من هذه المرأة التي ترسمها؟ أجبته: هي أي أم ولا يحق لك أن تجعلها عمياء والأم المصابة عيونها فارغة ومشوهة وعاشت سنوات الحرب والتهجير، لذلك هي صورة مشوهة وينكر الناس الصور المشوهة ولا يريدون أن يروا أنفسهم مشوهين– الوقوف أمام الفرن تشويه– لذلك أذهب إلى الصمت لأدعو إلى الكلام.. كانت الأيدي مبتورة عندي في اللوحة وهذه الشخصيات لا تتمكن من العناق وقد تكون مدججة بالسلاح، اليوم أنا بحاجة إلى فعل ما، فما زالت الرؤية غامضة وما العين إلا رمز أو إحالة, ولا يمكن أن نتكلم عن الحرب بالدمار فقط بل بخراب الإنسان.

مواجهة

كما يسعى الفنان إلى إبراز العلاقة الجدلية بين اللوحة كنتاج فنّي من إبداع الرسّام والرسّام نفسه كنتاج فكري وثقافي باعتباره فردا يحيا داخل الواقع الاجتماعي، وضمن منظومة اقتصادية وثقافية وروحية مترابطة، كما يرى معلا أن المجتمع هو الوعي بالقيمة التي تجمعنا، وكلما اتفقنا وصلنا إلى نتائج أفضل، والفكرة الأساس هي الوصول إلى الجمال المنشود والقيمة المطلقة للحسن هي أن يكون الإنسان أعلى قيمة وهي المشكلة التي تواجهنا اليوم مع التقنية، فالمعارف التي تعلمناها هي أمام تحدي التقنية، وبالتالي سنصل إلى مكان بإمكان التقنية أن تقوم بكل الأفعال التي نقوم بها إن لم نتحداها بالأشياء الإنسانية، وإذا لم نعلّم الموسيقى والفن سندخل في صعوبات جمة مع هذه “الروبوتات”، لذلك الأفكار هي الميزة الأساسية التي تميز البشر كما أن المواجهة على صلة بالقيم الإنسانية.

طمأنينة ما

أما طمأنينة الفنان فلها علاقة بالخبرة وطريقته في التعامل مع اللوحة غير الطريقة التي بدأ فيها منذ سنوات، لذلك أصبحت الأشكال تخرج بتلقائية, والطمأنينة بمعناها التقني أن يمتلك الفنان أدواته والأفكار التي يعبر عنها لتجعل اللوحة وسيطا واضحا:أرسم ما يخطر على بالي لكن ضمن حيز خاص أتحرك وليس لدي شيء يخرج عن هذا الحيز، ولذلك الأشياء متشابهة ولكل فنان فضاء يحدد مسار عمله، فإن عدنا لتاريخ الفن السوري كان هناك نظريات في العالم تسيطر على عقل الفنانين والدراسات التي تلقوها على هذا الأساس, فنلاحظ أن فنانا مثل محمود حماد ينتقل من الواقعية إلى التجريد في ليلة وضحاها، لذلك نقول إما هناك نظريات تؤثر على الأجواء الفنية في العالم أو هناك تجارب تستولي على بعض الفنانين، وليس المقصود أن يقلدها بل البحث عن طريقة يعبر بها عن معتقداته، فالطمأنينة يعني أن تصل إلى اللوحة التي تعبر عن المكان الذي يعيشه الفنان، والأهم أن يعبر عن القضايا التي يعيشها مجتمعه وناسه.

ونختتم حوارنا بما قالت أم الفنان له يوما:”الجميل هو الذي يبقى والبشاعة هي الموت”، ولأن الحوار الذي قصده معلا على هامش معرضه الـ11 والذي أقيم في صالة الحكمية مؤخرا يقع في دائرة وجوب طرح الأفكار والتبادل المبدع سعيا منا للوصول إلى مقولة الجمال والقيمة، فكان لزاما مني الاعتراف بأن تجربة الفنان البحثية الواسعة لا يمكن النظر إليها من خلال زاوية رؤية اللوحة فقط، بل من خلال استكشاف أفكاره في الأدب والشعر والفلسفة ورؤيته في إدارة الحياة الفنية  ومساهماته في إغناء المكتبة العربية بأبحاثه النقدية التشكيلية، مما جعل منه علامة فارقة في ثقافة المشهد التشكيلي عموما.

أكسم طلاع

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لا تعليقات