في مجموعتيه “الحب والتكوين” و “أوبوا” الشاعر محمد زعل السلوم بتلات ورود قطفت قبل تفتحها

أمام مجموعتين شعريتين صدرتا معاً، لا يمكنني إلا أن أتساءل ما السبب؟ وما هو المخزون بين ضفافهما من أسلوب ولغة وحداثة؟ لا يمكن إلا أن أطرح السؤال: لماذا قد يقدم الشاعر أو الكاتب على استصدار مجموعتين شعريتين في آن واحد؟ أهو الشرط الواجب على المتقدم للانتساب إلى اتحاد الكتاب العرب؟ بوجود مجموعتين من الجنس الأدبي نفسه؟ أم هي محاولة مجاراة السرعة التي تسلب أيامنا وحياتنا؟..
ماذا لو لم تكن هاتان المجموعتان صالحتين للنشر في نظر المتلقي؟ ماذا لو أنهما عجينة أفكار لم تنضج بعد؟ وقد زجت في الأسواق وعلى رفوف المكتبات؟ أيعقل أن تكون مجرد بتلات ورود لم يسمح الكاتب لها بالتفتح وقام بتجفيفها قبيل تبرعمها كما فعل الشاعر محمد زعل السلوم في مجموعتيه “أوبوا” و”الحب والتكوين” الصادرتين عن دار بعل للعام الحالي.
بين مجموعتي الشاعر الصادرتين في آن واحد نلاحظ الفرق الشاسع في الأسلوب، حيث إن أقدمهما في تاريخ كتابتها هي الأكثر ملامسة للواقع الشعري ومتطلباته من صورة وبلاغة ولغة وتراكيب، فيما تفتقد المجموعة الثانية الحب والتكوين هذه المعادلات، حيث إن الشاعر قد تعمد كتابتها مواكباً لسرعة البرق كما يبدو لتنجز المجموعة كاملة كما يحدد التاريخ الذي يصر الكاتب على كتابته خلال أيام ثلاثة؟ أي شعر يمكن أن ينجز مجموعة شعرية متماسكة في ثلاثة أيام؟ وأي قريحة للشاعر جعلته يقترف ذلك الفعل ليترك قصائده أرغفة خبز لم يكتمل نضوجها ويعرضها للبيع تماماً كبتلات ورود لم يكتمل تفتحها، فما المجموعة إلا رسائل حب منثورة وموجهة لقارئتها مواكبة بعض الحداثة ليجعل إحداهما معنونة بـ”الجوال” مضيفاً إليها الكثير من الحشو الزائد ما أعطى النصوص الترهل وضيقاً غير مبرر في فضاء الشعر وذلك واضح في قصيدة يقول فيها: (دمعت عيناي وروحي، ومنطقة الجبين، سليقة الحب السليمة) ويعاود زج الأسطورة في ما لم يفد النص مستعيناً بـ”أفروديت” التي لم تعط النص ما ابتغاه الشاعر، ومن الملفت للنظر أن الشاعر كان مستعجلاً في ترتيب قصائده ومستسهلاً في خياراتها ليتركها مرتبة حسب التسلسل (الألف بائي) لا حسب جمالية القصيدة.
ومع مقدمة مقتبسة من كلمات الناقد الكبير يوسف سامي اليوسف بقلم محمود عبد الكريم، لا بد للنص أن يجاري مقتبسات المقدمة التي تحدثت عن الشعر العظيم بسطورها: (هو الذي يبلغ أعماقك بفورية مسترسلة وهو الذي يتحدث عن الوجدان والألم البشري) فما مبرر التسرع في طباعة مجموعة شعرية يغريك عنوانها لتنتهي من قراءتها خلال ساعة دون أن يعلق بذاكرتك سوى قصيدة واحدة عنوانها (ضوء)، يقول فيها: (قافلتي المجنونة تنحت جانباً، واستقالت ورمتني، قررت إقالتي معها، مع إني أرغب بالاستمرار، ضوء، يتسربل إلى وجهي المغبر، ليعيد الدفء إلى وجنتي، في صحرائي ورمالي المتعبة، من رياح وعواصف النجوم، في حوارية مكاني المهدم، وحواسي المستنفدة، لكل روائح الياسمين، وجولتي المنعدمة، وولادتي المبصرة، منذ عام، وبعد عام، لم أبتسم، لم أبتسم، وشعاب الحزن، وتشرذمات الضوء، بعد الطوفان، ومثوى الضوء، خلال مئة عام، بقي على جبهتي المظلمة، ليرسم علامة ووسام، حب ضاع.)
في حين وردت في المجموعة بعض الصور والتراكيب التي لا تخلو من الشاعرية وتوصيف عوز حالة الحب اللامنتهية عند الشاعر، ما جعله قتيل بوح من فيض حبه أربك قصائده وأثقلها لكنه نجا منه في قصيدته (حرب) حين قال: خيمتي أنسجها بجدائل الحب، كما وقع الشاعر في هذه المجموعة في أكثر من مطب أولها: اندفاعه نحو غير المألوف من الكلمات كـ (نشوئيتنا وتشرذم) وثانيها: التكرار، حيث أصر على استخدام صيغة الفعل المضارع لتأكيد الحدث لكنه كان يصلح لأن يكون في قصة أكثر منه شعراً ما أضعف إيقاعية النص ومنها اعتذر امضي، ابحث، أهذي، هذه الأنا المفروضة على النص أوضحت استسهال الشاعر في انتقائه لمفرداته وتراكيبه لينجز المجموعة خلال أيام ثلاثة تبرر ما ورد فيها من أخطاء لغوية وغياب لعلامات التنوين.
وبالرغم من سلبيات المجموعة المستحدثة إلا أن الشاعر تمكن من التقاط بعض الصور بعين الخبير وهذا ما كان يجب أن يحافظ عليه في مجموعته كاملة ليوازي المجموعة الأقدم في تاريخ طباعتها والتي طبعت عام 2005 وحملت عنوان “أوبوا”، و”الأوبوا” هي آلة موسيقية قد برع الشاعر في اختيارها عنواناً لمجموعته الشعرية التي يبدو أنه قد استمهل لطباعتها ولم يسابق شبح السرعة، حيث إن مجموعته “أوبوا” حملت بعضاً من انفعالاته التي يبدو أنه يكتب متأثراً بها، فكانت أكثر جمالاً وملامسة للشعر الحقيقي بعيداً عن الحشو الزائد والكلام المصفوف، وهذا واضح من عنوانها وعناوين قصائدها (استثنائية، امنحيني، يامن تزرعين الورود، والقلب عند وردة شامية).
يتمتع الشاعر بقدر من الرقة في أوبوا فيكلم الورود ويناشد السماوات كطفل فيقول في قصيدته امنحيني: (امنحيني.. أنا الفقير لفراقك.. الغني بهواك.. ليبزغ فجري من جديد.. امنحيني.. فأنت سفينة البحر.. تمخرين عباب الشمس.. وخيوط جدائل النرجس.. امنحيني .. الأمان في رونقك)..
وهذا ما يطرح سؤالاً للشاعر محمد زعل السلوم: كيف له من بعد أن تمكن من العزف بشفافية على “أوبوا” أن يترك القصائد خريفية العمر قبل أوانها في الحب والتكوين؟!.
ديمه داوودي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لا تعليقات