“قمم” العالم و”قمة مكة”!

هذا المقال رقم : 9 من 52 من العدد 2018-6-12-16124

 

ربما كان أبرز من عبّر عن حال العالم “الأول” اليوم بعد “قممه” المتتالية، وخاصة قمة “السبع” هو ما قاله رئيس الاتحاد الأوروبي دونالد توسك، حين أشار قبل القمة الأخيرة إلى أنّ ما يقلقه “حقيقة أن النظام الدولي القائم  يواجه تحديات، والمفاجئ أن ذلك لا يحدث عبر المشتبه بهم المعتادين، ولكن من مهندسه وضامنه الرئيسي، الولايات المتحدة”، وهو ما تحقّق حرفياً بعد “القمة” لدرجة أنه يمكن الحديث اليوم، ولو بحذر، عن مجموعة “السبع” ناقص واحد، بعد أن مرّت بمرحلة زاهية كان اسمها فيها “السبع” زائد واحد قبل إخراج روسيا منها لأسباب معروفة للجميع.

بيد أن المشكلة الوحيدة في تصريح “توسك” هو توقيته فقط، فما أثار قلق رئيس الاتحاد الأوروبي على قواعد النظام الدولي اليوم، هو غطرسة “ترامب” المتزايدة تجاه الحلفاء قبل الأعداء، لكن المفارقة أن هذه القواعد، التي يقلق “توسك” عليها، كانت، ومازالت، مصدر قلق كبير لبقية دول العالم، لأنها قواعد وجدت لخدمة مجموعة من الدول، تجمعت في نادي “السبع” الذي يمكن القول عنه، وبثقة كاملة، إنه ليس أكثر من نادٍ للقتلة الفعليين والاقتصاديين الذين لم يختلفوا يوماً على جرائمهم المتمادية بحق بقية دول العالم، بل على توزيع المسروقات والغنائم، وهو ما أبرزه سحب “ترامب”، غير المفاجئ، توقيعه على البيان الختامي، لأن “حصته” أقل مما يريد بكثير.

لكن ما يجب أن يقلق “توسك” فعلياً ليس فقط مجريات ونتائج قمة “السبع”، بل مجريات ونتائج قمة “شنغهاي” التي كشف تزامنها مع “السبع” عن فروق كبيرة، ومعبّرة، في الشكل والمضمون بين “القمتين”، وهي فروق تؤكّد مخاوف “توسك” من حيث لم يرده ولم يقصده بالطبع، ففي الشكل تتوسّع “شنغهاي” عمودياً من حيث تزايد حصة مكوّناتها من الاقتصاد العالمي، وأفقياً بإضافة دول جديدة إلى الدول المؤسسة لهذا المحفل، فيما تتقلص “السبع” عمودياً وأفقياً أيضاً، وتصبح الفروق أكثر وضوحاً إذا انتقلنا للمضمون، ففيما ساد الاتفاق والوئام بين أطراف “شنغهاي” الذين يحاولون مساعدة بعضهم البعض، وإن كان في إطار التنافس المشروع لدول تتباين في نموها الاقتصادي، وتختلف في أنظمتها السياسية، ساد الحذر والتوتّر والترقّب قمة “السبع” ذات الأنظمة السياسية والاقتصادية المتجانسة، على خلفية ظاهرية هي نزوع “ترامب” لتطبيق مقولة أمريكا أولاً، وهي مقولة تشي بالمأزق والأزمة وليس بالقوة، كما يظن البعض، فيما الخلفية الحقيقية للنزاع هي “تفاقم حدة التناقض والاستقطاب العالميين كأحد تجليات أزمة النظام الرأسمالي بنكهته الأميركية المعولمة”،

مضافاً إليها الخوف الأمريكي والغربي من حقيقة صعود قوى عالمية جديدة تريد لنفسها مكاناً مناسباً في العربة الأولى لقطار العالم الجديد، وليس في العربات الثانوية، كما يريد لها حكام “السبع”.

بهذا الإطار يمكن فهم قمة ترامب- كيم، التي ستعقد اليوم، باعتبارها خارجة، برغم الأسباب الداخلية لطرفيها والعنجهية الأمريكية المرافقة لها، من مسار “شنغهاي” وحقائقه أكثر منها من مسار “السبع” وقواعده التي يخشى عليها “توسك”، والدليل على صحة ذلك أن الدول الفاعلة في “شنغهاي” مثل روسيا والصين كان لهما دور كبير في رسم مسار ونتائج قمة “ترامب- كيم”، فيما اكتفت الدول الفاعلة في “السبع” بدور المتفرج والمتلقي السلبي لهذه القمة ونتائجها.

أما فيما يخصنا نحن العرب، فقد كان من سوء حظنا، كالعادة، كدول من “العالم الرابع”، أن تتزامن مع هذه القمم الكبرى الثلاث، التي ستؤثّر نتائجها ومخرجاتها على مستقبل العالم كله، “قمة مكة” التي تبدو، رغم صورتها البرّاقة والأسباب الظاهرية لها، آتية من عالم آخر وزمن آخر، زمن ملوك الطوائف الذين يتعاضدون فقط خوفاً على كراسيهم وعروشهم من “ربيع الأردن”، وخدمة لمخططات الآخر الغازي في وأد فلسطين وقضيتها، وليس لخدمة أمتهم وآمالها، لذلك ستكون نتيجتها الوحيدة مزيداً من الخراب والدمار لهذه الأمة المثقلة بالجراح.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لا تعليقات