“كنهر أعلى السروة.. أو كجناح”.. الزمان في محميّة شعرية

هذا المقال رقم : 33 من 59 من العدد 2018-12-7-16247

 

بغزارة شعرية تحاكي غزارة الحياة، والماء، والخضرة يشغل الشاعر أوس أحمد أسعد مئة وسبعاً وخمسين صفحة بستٍّ وعشرين عنواناً؛ داخلاً إلى بيت الشعر من بابه الأوسع (المغامرة) التي أشار إليها ف. س. أوليفير في قوله (فن الشعر مغامرة لا تنتهي)، وقد عبر الشاعر بمغامرته الإبداعية جحيم اللفظ ليستقر في جنّة المعنى. وحّد الشاعر بين شعره وحبه للمرأة وانحيازه لعوالم جسدها المتروحن، وروحها المتجسدة، ففي جوارٍ أزليّ أبديّ يرقد النهر إلى جانب السروة على ضفاف التجربة الوجوديّة؛ وقد ارتقى الجوار إلى اعتلاء وصار النهر الكبير مجرد غيمة صغيرة أعلى الشجرة يمطرها وجوداً، ويتبادلان الكينونة.

في تحليل للعناوين الداخلية يمكن تقسيمها إلى ثلاثة أنماط؛ نمط شعوري، ونمط ذهني، ونمط موضوعي؛ فأمّا النمط الشعوري فقد بدا مرآةً لذات الشاعر، وقد طغى عليه الماء والخضرة:(بعشبة أشعل النهر) و(واقفا في مقام الحبق)؛ وأمّا النمط الذهني فقد طغى عليه الكلام: (من فتاوى الريح) و(الكلمات)؛ وأما النمط الموضوعي فهو مستقى من رهانات الحياة، وواقع الحرب: (أيها السوري) و(أمراء الحرب) و(صديقي الكردي) و(مزدحم بكم كحفنة ريح) ويوحّد بين الأنماط الثلاثة نمط رابع هو نمط الأنوثة:(فراشات الإيماء) و(سليلات الماء) و(الإقامة في المؤنث) حيث يستجيب الشاعر لفتوى جدّه الأكبر محي الدين بن عربي (كل مكان لا يُؤنّث لا يُعوّل عليه).
يستهل الشاعر مجموعته بجزء مقتطع من (نشيد الإنشاد) أحد أسفار العهد القديم؛ بوصفه مجازاً للعلاقة بين الرجل والمرأة؛ وترميزاً للمحبة الكائنة بين الله والإنسان، وفي النص المعنون (أيها السوري) خطاب غير مباشر إلى السوريين يؤكد فيه القلق من الكتاب الواحد الذي تسرقه يد واحدة، وتحتكر تأويله، ويشمل التأكيد الاطمئنان إلى الكتب المتعددة الرؤى؛ فرمزيّة تنكير كلمة (كتاب) تؤول إلى لا نهائية المعرفة، وجغرافيتها البِكر المجهولة.
(بالشعر وحده يحيا الإنسان) عبارة تتجاوز كونها إهداء لصديق لتخبرنا أنّ الحياة كلها ما هي إلا شعر، وشاعر، وقصيدة؛ فالشعر: هو(كتابة المحو، وهو سيد، ووثن، ومرض، وأبلسة تحيا بالرجم، وصمت في أوج الكلام، ونميمة تطاردك حتى تشي بها، ومحنة الكلام) أمّا الشاعر: (فصيّاد حياة، أو كلمات، أو نساء، وكائن جميل الأخذ كعلقة على جسد امرأة)، وأمّا الشعراء فهم (سالكون ومغامرون، وأشقّاء الدهشة)، وأمّا القصيدة: فـ (موتٌ مجازيّ في اكتمالها، ورماد الكلام).
محمية شعر طبيعية
يشعر قارئ المجموعة أنّه يدخل مختاراً إلى محميّة طبيعية تزخر بأنواع الخضرة، وأشكال الماء، وأنواع الحيوان والطير؛ فيختبر كل أشكال الحياة، وألوانها، وإيقاعاتها؛ حيث تضجُّ فيها أقصى درجات الفرح، فإذا بالمحميّة الطبيعية محميّة نفسية يقوم شاعرها الجريء بتحرير نفسه والآخرين من عطالة شعورية كالعدم فقد أراد مجموعته تعويضاً عن موتٍ عربي؛ كما أرادها أيضا مرآة لذاته العاشقة الحية، وأرادها معرضا لأفكاره، ومَسْرَباً لأسئلة وعيِه، واستعان على ذلك بأساطير مثل أسطورة إبراهيم، وجلجامش، وليليت، وحواء، واللات؛ ويلحّ الشاعر على تأكيد الفرق بين الذكر والأنثى؛ فهو حسب رأيه فرق بين (عشب ينمو) و(طحلب يطفو على السطح) وهو فرق وضّحه الشاعر بأسطورة أخرى هي أسطورة (ليليت وآدم)؛ فليليت تحيي،وآدم يقيم الحرب كأحد أهم أسباب الموت: (قالت: كن/ فكان العالم/ قال: كن فكان السيف) فآدم وليليت نصفان لآلهة واحدة؛ وفي وقت يطفو الطحلب؛ فتنهزم الذكورة، وينمو العشب؛ فتنتصر الأنوثة وتجتاح العالم، والكلام؛فالمؤنث خمرة اللغة،والمذكر رغوتها، وأكثر من ذلك يقوم الذكر بإفساد اللغة المؤنثة إفساداً ظاهريّاً باطنُه الإصلاح، وغايته الإبداع، في هذا السياق من التجريب يبدو الشعر قانونا لذاته؛ انه حسب دبليو اتش أودن:(يحيا في وادي صيرورته)،ولذلك فانّ مجموعة (كنهر أعلى السروة) تمضي في الحداثة الشعرية بقدمين تحثّان الخطى السريعة نحو تجربة لغوية، وجمالية جديدة ومميزة، وتساهم بتأصيل اللغة العربية، فقد تحرّر الشاعر من سلطة التراث، وقيوده التي تلغي الذات الفردية، وتكبح جماح الإبداع؛ وأعاد للذات اعتبارها بما فيه من بُعد الرؤى وعمقها، وغموض التصورات، وسموّها في محاولة استنزاف الأصالة من آبارها الحقيقية؛وصولاً إلى حضارة لغويّة تحلّ بديلةً للتوحش الاجتماعي والفكري والاقتصادي الذي يسود العالم، حيث ينوء المثقف تحت ثقل الماضي والتاريخ ويحاول صنع معجزة سرّية فيستقبل غودو في غرفة داخلية في نفسه العميقة البعيدة بعد أن انتظره طويلا على رصيف العالم.
مكان الزمان
يبدأ المكان الشعري في المجموعة من(الكون) وصولاً إلى المكان الأم (بسمالخ) قريته، وعنوانه الأثير؛ ثم يعود من الضيّق إلى الواسع في دورة حياة ووجود؛ فالمكان طبيعي في الجغرافيا، ونفسي حين يغدو المكان منزلة ومرتبة يسميها الشاعر(الحضرة)، وتكثر حضراته الشعرية كحضرة الشمعة،وحضرة الكتاب،وحضرة النار، وحضرة الضوء.
(في حضرة الشمعة/ يفقد الشعر اتزانه/ فيصمت)و(انحنِ أيها القارئ/ أنتَ/ في حضرة الكتاب)؛أمّا الحضرة الأبهى فهي جسد المرأة؛ المكان الأكثر هندسة من أي مكان آخر، وعلاقة هذا المكان الجسد المؤنث بالمكان الجسد المذكر، أو لعلّه الزمان الوقت وفي تعالق المكان مع الزمان يكشف الشاعر عن أنّ المستقيم أوسع الدوائر: (أدخل المفتاح/ في الثقب/ لترى كيف تقهقه الهندسة)؛غير أنّه كان من الأولى بالشاعر أن يعبّر عن هذا النظام الهندسي البديع الذي يمتدحه بفعلٍ أدل جماليّاً من القهقهة،أمّا الزمان فيتكرّر فيه انتقال الشاعر من الأوسع إلى الأكثر ضيقاً؛ من الفصول إلى أوقات الفجر، والليل، والأمس، والغد، والآن، والوقت هو المفردة الصوفية الرئيسية الأهم التي يستسيغها الشعراء (الوقت هو ما أنت فيه).
اللغة المُعذِّبِة
لا يُعذِّب الشاعر الكلام بل يقوله؛ فاللغة الشعرية تجربة خلق، والقصيدة في الحداثة ليست علاقة مع اللغة ؛بل هي اللغة، وليست اللغة تراكماً لفظيّاً بل هي تراكم رؤيوي وعاطفي لأنها الجزء الأهم من مشروع ثقافي، وحضاري شامل، ومن وظائفها تأويل الواقع وتوسيع الدلالات ومحاكاة المكبوت، أمّا موضوع القيم الفكرية والفنية والجمالية فليس مُقفلا على قوانين نهائية،فالنمط يتحطم باستمرار ولا يستقر.
يحتفي الشاعر باللغة احتفاءً نادرا حتى تبدو المجموعة مهرجاناً لغويّاً تتعدّد فيه أسماء المسميّات، وتتراقص الأساليب المنوعة بين نداء واستفهام وتعجب وتهكم وأمر ونهي.. الخ على إيقاع ساحر حيث تمور الأفعال في توهانٍ حيّ متحرك كأنّه الهداية، حتى تضيع هوية الشاعر فلا يغدو أكثر من أسلوب اهتدى إليه في تجربته الكشفية.
تتألّق الألفاظ، وتنسجم، وتنتظم في تراكيب، وجمل قصيرة تتوخى أقصى درجات الإيجاز، التكثيف، وتتصيّد أبهى تشكيلات الإيحاء، والرمز فليس هناك مفردة غير شعرية لولا قسر ألفاظ معدودة على أداء دلالات أعقد ممّا تستطيع التعبير عنه على نحو (تقهقه الهندسة) و(معلف الدهشة) و(معلف العتمة) فثمة تنافر عجيب بين القهقهة والهندسة وبين المعلف والدهشة والعتمة دون أن يؤثر ذلك كثيرا على حضور شعرية سبّاقة تثير وعي القارئ على قضاياه الكبرى في ظل حروب عالمية، وبيئات فكرية مؤسسة على الدين: (في النص المكتمل/ حطب بفؤوس مؤجلة/ وخجلاً/ أستثني النص المقدّس)، وهاهو يذم الحرب وأمراءها بكلمات محشوّة بالغضب: (سأطعنكم بالمديح/… وفي نهاية الحفل/ سأهبكم بوالين كتيمة/ لتنفخوا فيها/ زفير هرائكم/ حتى البصاق الأخير)، وفي مقاطع أخرى يذم استنسار البغاث في الوطن؛ لتغدو كلمات الشاعر رغيفا ساخنا في شرق جائع، وفعل حياة في عالم ميت (لا أحياء في هذا العالم/ أيها الموتى/ أوقفوا الموت).
د. وضحى يونس

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لا تعليقات