“لا تقتل طائراً بريئاً”.. الشجاعة الحقيقية يرسمها الضمير

هذا المقال رقم : 25 من 70 من العدد 2018-10-12-16208

 

توقف أتيكوس وقد بلل العرق وجهه، وقبل أن ينتهي من مرافعته الأخيرة قال: “هناك طريقة واحدة في هذا البلد يخلق فيها الناس متساوين جميعاً، هناك مؤسسة إنسانية واحدة تجعل الفقير يتساوى مع فرد من عائلة روكفلر، والأحمق يتساوى مع شخص كآينشتاين، والجاهل يتساوى مع عميد الكلية، هذه المؤسسة أيها السادة هي المحكمة… ثم يكمل إن لمحاكمنا أخطاءها كما لأيّة مؤسسة إنسانية، ولكن في هذا البلد محاكمنا هي المساوي الأكبر بين البشر وفي محاكمنا كل الناس خلقوا متساوين وينتهي بمناشدة القضاة والمحلفين: “واثق من أنكم أيها السادة ستراجعون دون انفعال الشهادات التي استمعتم إليها، وتصلون إلى قرار، وتعيدون هذا المتهم إلى عائلته، أناشدكم بالله أن تقوموا بواجبكم” ثم سُمِع يهمس وهو يغادر المحكمة: “أناشدكم باسم الله أن تصدقوه”. بينها وبين نفسها ربما تُصدّق محكمة في ثلاثينيات القرن الواحد والعشرين متهماً أسود، لكنها هل تحكم ببراءته وتُنكِر شهادة امرأة بيضاء؟.

تفاصيل حياتية
بعيني “جين فينتش” بطلة الرواية نلاحق الحياة اليومية في بلدتها، التفاصيل التي عاشتها ولم تكد تبلغ من العمر الست سنوات، ليدخل القارئ في تفاصيل حياتها وأخيها جيم الذي أصيب بتشوه في واحدة من يديه إثر كسر خطير، ولكنه “ما كان ليهتم كثيراً طالما أنه يستطيع أن يمرر الكرة ويضربها قبل أن تصل الأرض” وهو شريك يومياتها ومغامرات الطفولة مع أبناء الحي وزملاء المدرسة ومحاولات إنقاذهما الصبي الذي اعتزل في منزله لسنوات طويلة بقرار من أبيه، وبنطال جيم الذي تركه هناك ممزقاً ليجده وقد خيط بإتقان حين عاد لاسترداده، ثم الحريق الذي أتى على منزل الآنسة مودي فلم يبق منه شيئا، ثم هناك مشاكساتها في المدرسة حين صدمها اختلاف أسلوب التعليم ما بين أبيها ومنهاج التدريس الذي تصر عليه معلمتها، والعرض المسرحي الذي انتهى إلى كسر يد جيم فتركها مشوهة؛ إنما غير عاجزة تماماً إذ ستكون عونه في رد العنف عن شقيقته، هناك أيضاً البعض اليسير مما كان يتناهى إلى سمعها من عادات وتقاليد لسكان البلدة وقد تباينت انتماءاتهم رغم البشرة الملونة تقريباً لجميع سكانها، تقول لها المعلمة: “يؤمن غاسلو الأقدام أن أي شيء يجلب المتعة هو خطيئة، هل تعرفين أن بعضهم خرج من الغابات في أحد أيام السبت ومر بهذا المكان وقال لي إني سأذهب، وزهوري إلى الجحيم” وزهورك أيضاً تسأل معلمتها ذاهلة فتجيبها: “نعم يا آنستي هذه ستحرق داخلي”.
جميعها تفاصيل بلسان طفولي ورؤية بريئة إلى العالم من حوله، وبعيداً عن القيود والقوانين تغدو محاكمتها للأحداث أكثر عدلاً وتحمل من القيم ما لا يتيحه القانون في الكثير من الأحيان.

الجريمة
يتهم “توم روبنسون” بجريمة اغتصاب، التهمة في حد ذاتها تنطوي على الكثير من المخاطر فكيف إذا كانت الضحية امرأة بيضاء والمتهم لم يختار لون بشرته ولم تكن ببياض لون الضحية، كانت تعاني أشد أنواع الوحدة والجوع لكل الحاجات الإنسانية وكانت رغباتها أكبر منها، يكلف “أتيكوس فينتش” المحامي بالدفاع عن المتهم، وأتيكوس هو والد جيم وجين وقد قام على رعايتهما بعد وفاة زوجته بنوبة قلبية ولم يتجاوز الكبير الست سنوات من العمر. وفي البلدة يحظى أتيكوس باحترام الجميع نظراً لطبيعة عمله: “لم يكن أبونا يمارس تلك الأعمال التي يمارسها آباء زملاء الصف: لم يكن يذهب للصيد أبداً ولا يلعب البوكر أو يصيد السمك أو يشرب الخمر أو يدخن، بل كان يجلس في غرفة الجلوس ويقرأ” هكذا كانت ترى جين الطفلة والدها، صحيح انه كان ملاماً بقدر ما إذ اعتبر “محباً للسود” ولكنه حظي بالاحترام كونه اتبع في كل تعاملاته ما يمليه عليه ضميره، وما يتطلب منه أن يكون قدوة لطفلين صغيرين، رغم انه لم يكن دائماً على يقين بالفوز أو النجاح، لكنه على الأقل كان يبذل ما بوسعه في سبيل ذلك، ويعرف أن الشجاعة الحقيقية التي يبحث عنها هي تلك التي يرسمها ضميره، تقول جين لأبيها وقد سمعت فرانسيس ينعته بمحب الزنوج:
– لقد قالها بالطريقة التي يقال فيها “قبيح الأنف” أو ما شابه.
– يا سكاوت “وهو لقبها” إن محب الزنوج إحدى تلك العبارات التي لا تعني شيئاً، مثلها مثل “قبيح الأنف” من الصعب تفسير ذلك، ولكن الأشخاص الجاهلين التافهين يستعملونها حين يظنون أن شخصاً ما يفضل الزنوج عن نفسه.
– لست محباً للزنوج إذن، أليس كذلك؟
– بل أنا كذلك بكل تأكيد، أنا أفعل ما بوسعي لأحب كل الناس، أحياناً يكون ذلك صعباً، يا طفلتي لا أعتقد أنه من المهين للإنسان أن يلقب بلقب يعتقد من يطلقه أنه مهين، إن ذلك يكشف لنا كم هو مسكين ذلك الشخص”.

فرصة
التفاصيل الدقيقة تلك التي احتلت ما يقارب نصف العمل الأول قد تصيب القارئ بالضجر، لكن الإثارة والدسم كَمنَتْ في الجزء الثاني وهو إذ يتناول المحاكمة وتفاصيل القضية كلها، سوف ينقلنا إلى مستوى آخر ويستحضر مارتن لوثر كينغ ومالكوم إكس في حال لم نأخذ في الاعتبار تاريخ نشر الرواية التي صدرت في العام 1960 لأول مرة، وبدايات الانتفاضات في وجه الظلم الواقع على السود والنضال لانتزاع الحقوق، وما عايشته الكاتبة هاربر لي في طفولتها في ثلاثينيات القرن الماضي، ورصدت عبرها واحدة من أشد الجوانب سواداً في تاريخ أمريكا، وقدمت للعالم المحامي أتيكوس الذي وقف يدافع بشجاعة عن موكله ومعتقداته، عبر رؤية طفلة تراقب وتحاكم الأشياء والأحداث ولم تتجاوز التاسعة من العمر: “لقد عينت المحكمة أتيكوس للدفاع عنه، وكان أتيكوس يهدف للدفاع عنه، وهذا ما لا يحبونه في الموضوع، ذلك أمر محير” تفكر ولا تجد تفسيراً منطقياً للواقع في بيئة وزمن لن يدع لقصة مماثلة أن تنتهي نهاية عادلة، بل لعلها عاشت نهايتها بتفاصيلها المؤلمة والبشعة وهي تسمع والدها يخبر عمتها والشحوب يعلو وجهه: “لقد مات توم، أطلقوا عليه النار، كان يركض كان ذلك خلال فترة التريض قالوا أنه اندفع فجأة بجنون نحو السور وبدأ يتسلقه”. لقد أصابه اليأس من فرصة قدمها له محامٍ أبيض فقرر أن ينتهز فرصته هو، ليس بالفرار من السجن ولكن من المصير الذي ينتظره.
تعد رواية “لا تقتل طائرا بريئاً” واحدة من أهم كلاسيكيات الأدب الأمريكي، نقلت عبرها الكاتبة الأمريكية “هاربر لي 1926- 2016” وعياً جمعياً وفردياً في محيطها وأسئلة لعلها لم تحظَ بإجابات وافية حتى اليوم، الرواية حققت أرقاماَ قياسية في المبيعات وترجمت إلى أكثر من أربعين لغة عالمية، وفازت بجائزة بوليتزر للكتاب في العام 1961، كما تم تحويلها إلى فيلم سينمائي فاز بثلاث جوائز أوسكار عام 1962، كما صدرت مؤخراً نسخة جديدة عنها على طريقة القصص المصورة موجهة للقراء الصغار.
بشرى الحكيم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لا تعليقات