لا عزاء للخونة والمأجورين!

هذا المقال رقم : 1 من 64 من العدد 2018-12-20-16256

أخيراً، قرّرت واشنطن انسحاباً كاملاً وفي أسرع وقت. قد يكون القرار مفاجئاً، وقد يكون غير مفاجئ، غير أن المؤكّد أنه يحمل العلامة المسجلة الترامبية: “لا عائد مالياً.. لا مهمة قتالية. وكل شيء بثمنه!!”.

منذ البداية، ارتدى الوجود الأمريكي، شرق وشمال شرق سورية، طابع الحذر والتردّد، وهو بقي لأشهر طويلة تحت جناح التكتم والصمت، قبل أن تجد الإدارة نفسها مضطرة للإعلان عنه تحت جملة غير مترابطة من أهداف وعناوين شاءت ربطها بالحل السياسي للأزمة في سورية والترتيبات الأمنية الإقليمية التي يفترض أن تعقب انتهاء الحرب. صيغت هذه الأهداف لأكثر من مرة، وأدخلت التعديلات عليها من قبل أكثر من فريق، بل وخضعت للتجاذبات العلنية بين “البنتاغون” والفريق الرئاسي، ولكنها كانت طوال الوقت عرضة للتشكيك، فكيف لقرابة 500 من الخبراء العسكريين والأمنيين، أصبحوا 1200 فيما بعد، ووصلوا إلى الـ 2000، قبل أسابيع، إنجاز مهام معقّدة بمثل هذا الحجم في بيئة ميدانية أقل ما يقال فيها أنها تنطوي على أخطر التحديات والمجازفات السياسية المحلية والأمنية والعرقية، عدا عن أنها انتهت إلى تورّط الولايات المتحدة الأمريكية في استخدام الفوسفور الأبيض وارتكاب جرائم الإبادة والجرائم ضد الإنسانية بحق المدنيين في هجين والشعفة، وأخيراً المخاطرة بصدام غير مضمون النتائج مع قوات الجيش العربي السوري، خاصة بعد وصول منظومات “اس 300″، مع ما يمكن أن يجرّه ذلك من احتمالات نشوب الحرب مع دولة ذات سيادة، وفوق أراضيها، في وقت يواجه الرئيس ترامب هجوماً داخلياً غير مسبوق على خلفية فضائحه الشخصية وسياسته الخارجية الاستفزازية ودفاعه المستميت وغير المفهوم عن ولي العهد السعودي.

منذ البداية، شكّل الحضور العسكري الأمريكي في سورية، عقدة مستعصية تبحث دوماً عن حلول. كان لابد من استرضاء الشريك التركي العضو في الحلف الأطلسي، كما لابد من دعم الإرهابيين والمرتزقة في “وحدات حماية الشعب”. التعاون مع “داعش” وصل في بعض الحالات إلى قصف قوات الجيش العربي السوري، وأخطاء القصف العشوائي لم توفّر أحياناً الحلفاء من “قسد” في دير الزور. البقاء في التنف بات – بدوره – إشكالية تكبر مع مرور الوقت، خاصة وأن طوابير السوريين أخذت تسلك طريق العودة عبر معبر نصيب. وعندما تمكّن جيمس جيفري بالكاد من صياغة استراتيجية يمكن اعتمادها كإطار للتحرّك الأمريكي، وتنقّل بين بعض عواصم المنطقة أملاً بتعميم هذه الاستراتيجية على الشركاء “المحليين” والإقليميين، فوجئ بسرعة اتفاق مجموعة أستانا على تشكيل اللجنة الدستورية، وكل ذلك في أجواء الانفراجات التي بدأت تلوح في الأفق مع زيارة الرئيس السوداني إلى سورية والتسريبات الحاصلة حول زيارة مرتقبة للرئيس العراقي إلى دمشق.

الواضح بعد سبعة أعوام من الانخراط الاستخباراتي واللوجستي الأمريكي في سورية لدعم الإرهابيين، وأكثر من عام على الحضور العسكري المباشر من خلال القوات والقواعد العسكرية الموزّعة في شرق سورية وشمالها الشرقي، أن الولايات المتحدة الأمريكية فقدت أي تأثير في المعادلة السورية، وهي لا تملك – بالتالي – إلا التصعيد ورفع السقف! ولكنه خيار لا مستقبل له في ظل السيطرة الاستراتيجية المطلقة التي بات يتمتع بها الجيش العربي السوري على الأرض، خاصة وأن سلطة ما يسمى “قوات الحماية” باتت تواجه واقعاً من الاحتجاج والتمرد المتصاعدين، وهي لاتنفكّ عن محاولاتها جر “حليفها” الأمريكي إلى ساحة رهاناتها الانفصالية الآخذة بالتوسّع والظهور، مع ما ينطوي عليه ذلك من ردود فعل اتخذت قبل أيام شكل الانشقاق العسكري الجماعي للالتحاق بصفوف الجيش العربي السوري. وضع – كهذا – غير خاضع للسيطرة، لايمكن البناء عليه، لاسيما وأن إدارة ترامب على وشك الدخول، خلال الأيام المقبلة، ومع بدء اجتماعات الكونغرس بعد انتخابات التجديد النصفي، نفق المساءلات والحسابات الجدية والقاسية حول سياسة وسلوكيات الرئيس الداخلية والخارجية، بل وحول أهليته للحكم.

لم يكن الإعلان عن الانسحاب مفاجئاً إلا من حيث كونه آخر أرنب يخرج من أكمام ترامب أمام دهشة الجمهور.. إعلان الانسحاب كان خطوة متوقعة وحتمية، وقسرية، تحت ضغط الرهانات المتناقضة التي تعجز الإدارة الأمريكية، المتخبطة بحساباتها وحسابات شركائها المتضاربين، عن العثور لها على حل. لقد كان قرار التدخل العسكري في سورية خطأً أساسياً عكس العجز الأمريكي المزمن عن استيعاب دروس الحرب على العراق على الأقل. وقد جاء بعد سنوات مررتها واشنطن في الاستثمار بالإرهاب وعرقلة الحل السياسي، ورعاية مشاريع التقسيم، إلى أن قررت أخيراً إخلاء الميدان وترك مرتزقتها – كما جرت العادة – أيتاماً على قارعة الطريق، يتحسسون “الطعنة في الظهر”!

سورية عائدة بقوة إلى الساحة العربية والدولية، ووحدة الشعب والأرض مبدأ لا يقبل المساومة.. ولا عزاء للخونة والمغامرين والمأجورين بعد اليوم.

بسام هاشم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لا تعليقات