لوحة نثرت ألوانها يد الرّسام ..ولم تنظّفها

 

تقول الكاتبة: في طفولتي لم أحبّ قراءة الكتب الحربية، كبقيّة أترابي، كنّا أبناء النصر. أبناء المنتصرين.إلى أن وقع بين يدي،ذات يوم كتاب “آ. آداموفيتش” “أنا من قرية النار” لم أشعر بمثل هذه الصّدمة التي شعرت بها إلا عند قراءتي “دوستويفسكي” الكتاب عبارة عن رواية جٌمعت من أصوات الحياة ذاتها؛ ممّا كنت أسمعه في طفولتي، مما يتردّد اليوم في الشارع، وفي البيت، وفي المقاهي، وفي الحافلة! لقد عثرت على ما كنت أبحث عنه.وهنا أصبح “آداموفيتش” معلمي. فما الذي سيضيفه كتابي إذا كان عن الحرب والانتصار وحسب؟. كلّ ما نعرفه عن الحرب، نعرفه من خلال “صوت الرجل” نحن جميعاً أسرى تصوّرات الرجل أمّا النساء فيلذن بالصّمت. حتى النساء اللواتي كنّ في الجبهة، يلذن بالصّمت، وحتى إذا ما بدأن يتذكّرن، فيتذكرن حرب الرجال وليس حرب النساء. ما أريده رواية الحرب من خلال الصوت الأنثوي،فلحرب النساء ألوانها الخاصة، وروائحها الخاصة، وأضواءها الخاصة ومساحات مشاعرها المميّزة. إنّها تخلو من الأبطال والمآثر القتاليّة التي لا تصدّق. وفيها لا يشعر الناس وحدهم بالألم والمعاناة، بل كذلك الأرض، والطيور والأشجار. وكلّ من يعيش معنا على هذا الكوكب. إنّهم يتألّمون بدون كلمات؛ وهذا أشدّ وأرهب.
أين كلمات النّساء؟ وأين مشاعرهنّ؟ هنّ أنفسهنّ لم يصدّقن. ثمّة عالم مخفيّ عنّا. لقد بقيت حربهنّ مجهولة. أريد كتابة تاريخ هذه الحرب، حرب النّساء.
عليّ أن أطرح سؤال “دوستويفسكي”: كم في الإنسان من الإنسان، وكيف يمكن لهذا الإنسان أن يدافع عن إنسانيّته؟ تلك هي مقولة كتابي وهاجسه الأساسي.
أفهم عزلة الإنسان العائد من هناك، كما لو أنه من كوكب آخر، لا أبحث عن المآثر والبطولات، بل عن ما هو صغير وإنساني، بودّي التحدث عما كان يتحدث فيه الناس في بيوتهم قبل التوجّه إلى الحرب، وماذا كانوا يقولون لأحبّائهم في اللّحظات الأخيرة، وكيف كانوا ينتظرون عودتهم من الحرب، ليس القادة والأبطال، بل النّاس العاديين.
التاريخ المسكوت عنه، المهمّش الذي لم يلاحظه كتبة التاريخ، هو الذي يشغلني. مع معرفتي بأنّه من المستحيل الاقتراب من الحقيقة لأنّ عواطفنا تحول دون ذلك، فنحن نتعامل مع روايات شخصيّات نسائيّة، لكلّ منها تصوّره ووعيه وفهمه لما كان يجري. لكنّي أحاول تكوين لوحة للعصر الذي عشنَ فيه من خلال تقاطعات هذه الرؤى، ومع ذلك لا أريد أن يقال عن بطلاتي بأنّهنّ واقعيات. هذا يعني أنّنا أمام تاريخ.
الكتاب هو عن الإنسان في الحرب وليس عن الحرب بحدّ ذاتها أو تاريخها، إنّه يؤرّخ العواطف ومشاعر النفس والروح لإنسان عاش في وقت محدّد، وشارك في أحداث محدّدة. يروي الحياة ببساطة، كما نثرتها يد الرّسام ولم تنظّفها.
كيف سأشرح لطفلتي معنى الحرب؟ ولماذا يقتتل الناس ويقتلون الأطفال؟ ماهي الكلمات المناسبة ؟ما أريده هو تأليف كتاب عن الحرب، بحيث يشعر القارئ بالغثيان منها، وكي تغدو فكرة الحرب ذاتها مكروهة ومجنونة. كي يشعر الجنرالات أنفسهم بالغثيان.
أصدقائي من الرجال، خلافاً لصديقاتي، مذهولون من هذا المنطق النسائي. أقول لهم: قوّة الذاكرة النسائية عن الحرب هي “قوة الضوء” الأقوى القادرة على تسجيل الصورة الملتقطة على نحو أسوأ أو أفضل، من حيث شدّة توتر المشاعر، من حيث الألم. الرجال يختبئون خلف التاريخ، خلف الوقائع، وحربهم تأسرك من حيث هي فعل ومجابهة الأفكار، والمصالح المختلفة. أمّا النساء فتسيطر عليهنّ العواطف. حيث يهيّأ الرجل منذ الطفولة لإطلاق النار عكس تهيئة النساء، لذلك هنّ حين يشاركن بها يتذكّرن وجهاً آخر وطريقة أخرى لسرد الأحداث. حربهنّ ذات رائحة، ولون. هاهن يقلن: “أعطونا أكياساً قماشيّة فخطنا منها تنانير”، “دخلتُ مديريّة التّجنيد بفستان، وخرجت من بابٍ آخر بسروال وبلوزة، وقصّوا جدائلنا، وأبقوا على رؤوسنا غرّة من الشعر”. “أطلق الألمان النار على القرية وذهبوا.. وصلنا إلى هذا المكان المداس بالرمل الأصفر، وعلى السطح ــ فردة حذاء طفل”.
تحضر دوماً في ذهن النساء فكرة أن الحرب هي جريمة قتل بادئ ذي بدء، لأنّ النّساء يهبنَ الحياة، يحملنها في بطونهنّ ثمّ يرعينها جنيناً ويمنحنها لنا، لذلك القتل أشد صعوبة عندهنّ من الرجل.
يقول رجل لزوجته حين تريد أن تسرد شيئاً من ذكرياتها: “تحدّثي عمّا علّمتك. بدون دموع، وبلا توافه نسائيّة: أردتِ أن تكوني جميلة، بكيتِ عندما قصّت جديلتك” ومع ذلك كنّ يروين لي ما عشنه وشاهدنه قائلات: “لقد لذْنَا بالصّمت طويلاً، لذْنَا به أربعين عاماً” تلك الأمور الموصوفة بالتّوافه هي ما تهمّني، لأنّها تعكس دفء الحياة ووضوحها: غرّة الشعر التي تركوها بدلاً من الجدائل، القدور الساخنة من العصيدة والحساء التي لم تجد من يأكلها؛ فمن مئة شخص لم يعد من المعركة سوى سبعة، أو كيف لم يكن في استطاعتهن، بعد الحرب، الذّهاب إلى السوق ورؤية صفوف اللحم الأحمر، حتى لم يكن في استطاعتهنّ النّظر إلى القماش القطني الأحمر اللون.
صفحات المعاناة في الأدب الروسي أكثر من صفحات الحب. وأنا أصغي إلى صمت النساء وإلى كلماتهنّ فالكلمات والصّمت نصٌّ بالنسبة إليّ. المعاناة التي تحوّل الإنسان الصغير إلى إنسان كبير، هي ما يعنيني. إنّ الفكرة الكبيرة في حاجة إلى إنسان صغير، أنا أبحث عن الإنسان الصغير الكبير: المسحوق، المهان، المذلول الذي اجتاز معسكرات ستالين والخيانة، وانتصر رغماً عن هذا كله. لقد حقّق المعجزة. لكن تاريخ الحرب استُبدل فقط، بتاريخ النّصر.
بدأتُ البحث عن أبي في عهد “خروتشوف” بعد أربعين عاماً وصلنا جواب في عهد “غورباتشوف”: “لا اسم له في القوائم” لكن رفيقه في الفوج استجاب، وعرفت أنه استُشهِدَ ببطولة بالقرب من “موغيلوف” رمى نفسه مع قنبلة يدوية تحت الدبابة. للأسف لم تنتظر أمّي هذا الخبر السار، فقد ماتت وهي تحمل وصمة زوجة عدو الشعب، زوجة الخائن. ومثلها كثيرات.
تنتهي الكاتبة إلى القول: كانت لي حربي الخاصة قطعت طريقاً طويلاً مع بطلاتي، ومثلهنّ لم أصدق، أنّ نصرنا ذو وجهين، وجه رائع ووجه شنيع. منظر كريه للعين “تصافح شخصاً، تقتله وأنت تنظر في عينيه، هذا ليس قنبلة ترميها أو تطلق النار من الخندق”.
* “ليس للحرب وجهٌ أنثوي” للكاتبة البيلاروسيّة الحائزة على جائزة “نوبل للسلام” 2015م سفيتلانا أليكسييفيتش، وترجمة د. نزار عيون السود. إنه كتاب مهمّ ولديه ما يقوله بشكلٍ مختلف.
أوس أحمد أسعد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لا تعليقات