“ليالي” الحلمية” على سورية دراما

هذا المقال رقم : 24 من 55 من العدد 2018-9-13-16187

 

يُعرض الآن على قناة “سورية دراما” الجزء الأول من المسلسل المصري الشهير “ليالي الحلمية” وهو من إنتاج عام -1987-(أسامة أنور عكاشة-إسماعيل عبد الحافظ)، وهي خطوة مفاجئة وجيدة على الخطة البرامجية للقناة، والتي كانت تبتعد عن عرض الأعمال غير السورية، لأسباب عديدة منها، أن تأسيس القناة كان بهدف ترويج الأعمال الدرامية السورية، وذلك بعد الحصار الأول الذي وقع عام 2006، فهل نجحت في ذلك؟ المشكلة أن حصار الدراما السورية من الصعب أن يتم فصله كسبب لضعف الترويج عن سبب آخر جوهري، وهو المستوى الفني المتدني لهذه الأعمال، وذلك ما يجعل من عرض “ليالي الحلمية” خطوة جيدة في هذا السياق.
سورية دراما الآن تعرض واحدا من أفضل الأعمال التلفزيونية في تاريخ الدراما المصرية، وهذه فرصة كبيرة للمشتغلين في الدراما السورية، في أن يتأملوا جيدا عملا من هذا المستوى،فعناصر نجاح مسلسل “ليالي الحلمية” هي تماما ما يؤدي غيابها عن الأعمال المحلية، إلى ضعف الأخيرة، ويمكن إيجاز نقاط قوة “ليالي الحلمية” –والتي أخذت تفتقدها الأعمال المحلية خصوصا في السنوات الأخيرة-، بالمزايا الخمسة التالية: الأصالة، التوجه إلى الجمهور المحلي، التوازن الجغرافي، البساطة في طرح رموز واضحة ومفهومة، المضمون الثقافي والمعرفي.
الأصالة: أحداث المسلسل تدور في حي عريق من أحياء مدينة القاهرة، مرتبط بشدة بتاريخ المدينة، ويكشف الطبقة الارستقراطية فيه، والتي يمثلها “سليم البدري-يحيى الفخراني” وزوجته “نازك السلحدار-صفية العمري”، وهو حي أنشأه الخديوي “عباس حلمي الأول” عام 1850 وحمل اسمه، وبقي هذا الحي ذو طابع ارستقراطي لفترة قبل أن يتحول إلى حي للطبقة الوسطى؛ المسلسل الذي يعرض لأحداث تقع بعد تأسيسه بقرابة القرن من الزمن، ينجح في تقديم تفاصيل عن الشخصيات وطرائق حياتهم وعلاقاتهم بشكل قريب من الوثيقة، يمكن مقارنة ذلك بعمل محلي مثل “ليالي الصالحية” على سبيل المثال لا الحصر، والذي ليس فيه من “الصالحية” شيء إلا الاسم، فشخصيات “ليالي الصالحية” وملابسها وبيوتها وعاداتها وصراعاتها، لا تختلف كثيرا عن أي مسلسل “بيئة” آخر، الاسم فقط لتحقيق نوع من الألفة مع الجمهور، لأنه يُذكره بحيّ محبب في وجدانه.
التوجه إلى الجمهور: مسلسل “ليالي الحلمية” يعتني بالدرجة الأولى بجمهوره المحلي، ولأنه ينجح في ذلك فقد نجح عربيا، في حين تتقصد العديد من أعمالنا المحلية مخاطبة جمهور غير سوري، فلا تحصّل لا هذا ولا ذاك، ويمكن أن نتذكر هنا قول الشاعر الداغستاني رسول حمزاتوف “العالم يبدأ من عتبة بيتي”.
التوازن الجغرافي: الكاتب الكبير “أسامة أنور عكاشة”-1941-2010-، يعرض صراع درامي بين “سليم البدري” ابن “الحلمية” وابن المدينة من جهة، وبين “سليمان غانم –صلاح السعدني” الذي يمثل الريف المصري، وسبب الخلاف هو ثأر قديم بين العائلتين، التوازن بين الريف والمدينة كعالمين، وطبيعة الصراع بينهما، وبين قيم كل عالم منهما، حاضرة بقوة في المسلسل، والكاتب يحافظ على توازن بين كل من الشخصيتين –العالمين-فالجمهور أحب كل منهما، لأن كل شخصية منهما على حق بطريقة ما.
البساطة في طرح رموز واضحة ومفهومة: حي الحلمية في المسلسل يختصر القاهرة ككل، والصراع بين الشخصيات، أيضا يختصر الصراع السياسي والاجتماعي في تلك الآونة من تاريخ مصر، الرموز السياسية والاجتماعية والقيمية واضحة من خلال الشخصيات، “سليم البدري” هو الطبقة المرتبطة بالملك والنفوذ السياسي، “سليمان غانم” والصعيد ككل، يُقدم الريف ويُلمح من بعيد إلى رفض الصعيد لهيمنة المدينة عليه، “سليم البدري” سوف يقوم بتهريب أمواله بعد قرار التأميم، ثم يعود بعد إفراغ القرار من مضمونه، “نازك السلحدار” ترمز بوضوح لمظاهر الطبقة التي تنتمي إليها، والتي تريد المحافظة عليها بأي شكل، حتى أنها تتزوج لتحقيق ذلك خمس مرات، زيجة منهن كانت بـ “سليمان غانم” وذلك لإغاظة عدوه “سليم البدري”، وتنجب من سليمان طفلة، لكنها سرعان ما تتخلى عنها؛ أيضا شخصية الشاب المقاوم الذي يتصدى للإنجليز، والأمثلة عن تلك الشخصيات عديدة، يصعب حصرها، فالعمل شارك فيه أكثر من 300 ممثل.
المضمون الثقافي والمعرفي: العمل يقدم أجواء وملامح وطبيعة فترة تاريخية من تاريخ مصر، متجنبا إقحام إيديولوجيا ما على أحداثه، يعرض بأمانة – إلى حد كبير-، ويترك للجمهور أن يقرر، أما القيم والموقف من الخير والأخلاق، فيطرح ما يتفق عليه الجميع، ويحض عليه، وهي قيّم أسريّة، كالعلاقة بين الأخوة، وبين الآباء والأبناء، والموقف المناهض للاستعمار، ومن جهة أخرى العمل يندد، ويقف ضد المظاهر الزائفة وغياب التعاطف مع صلة الرحم، لصالح المظاهر الطبقية، التخلي عن البنت والتخلي عن الأخت، أيضا رفض التطبيع من قبل شخصية “سليمان غانم”، ويحضر فيه أيضا صراع الأجيال، فالرغبة بالانتقام عند سليمان غانم موروثة عن الآباء، أما عند الأبناء فذلك الصراع يتحول إلى حالة حب.
لا بد من الإشادة والترحيب، بهذه الخطوة الجيدة التي اتخذتها قناة سورية دراما، وذلك بعدم الاقتصار على عرض الأعمال المحلية، فالقرار ليس جيدا فقط لأنه بدأ بعرض الأعمال غير المحلية، بل هو جيد أيضا، لأنه ينتقي واحدا من أفضلها، ولعلنا نأمل أن نشاهد على قناتنا المحلية، أعمالا جيدة أخرى، مثل “المال والبنون، أرابيسك”، مع التنويع الزمني بحيث لا تكتفي فقط بعرض القديم منها.
تمام علي بركات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لا تعليقات