ماري عجمـــي أديبة صنعت المجد

هذا المقال رقم : 30 من 71 من العدد 2018-8-31-16178

 

 

في تاريخ المرأة السورية الحديث صفحات مشرقة لا تقل نصاعة عن صفحات رجالات سورية الكبار الذين حققوا لسورية الاستقلال وساروا بها في معارج التقدم والنماء، ومن يبحث عن إسهام المرأة في الدعوة إلى اللغة العربية والاستقلال والتضامن يقف على صفحات مشرفة للأديبة ماري عجمي مازالت مجهولة وهي جديرة بالوقوف عندها وتوضيحها، ماري عجمي الأديبة والشاعرة والصحفية التي عاشت حياة مليئة بالأحداث، وكان لها مساهمة فاعلة في مجتمعها السوري عامة والدمشقي خاصة، وشريكة الرجل في المظاهرات والمعتقلات لأجل الكرامة والمساواة والحرية فكانت محور ندوة “سوريات صنعن المجد” التي يديرها د. إسماعيل مروة بعنوان “ماري عجمي.. أديبة من عالم آخر”.

المنتديات

عند الحديث عن دور المرأة السورية الوطني في الربع الأول من القرن العشرين لا بد من استذكار الأديبة الشاعرة “ماري عجمي” أول امرأة صحفية سورية، وعن ماري عجمي والمنتديات قال د.محمد شفيق البيطار: استناداً إلى وقائع ووثائق ذكرها المؤرخون، أنها أول صوت نسائي ارتفع لدعوة المجتمع إلى النهوض وحث المرأة على الأخذ بالعلم والوعي لرسالتها القومية. فقد أتقنت عجمي اللغة العربية إذ عكفت على قراءة القرآن الكريم ودراسة كتب التراث الأدبي ودواوين شعراء العربية المبدعين، وكتبت الشعر الرصين منذ مطلع شبابها بلغة متينة وأسلوب مشرق عذب استجابة لموهبتها الشعرية ولمشاعرها القومية والإنسانية، ثم أنشأت أول مجلة نسوية في سنة 1910 تحت عنوان “العروس” بعد أن راسلت صحيفة “المقتبس” بدمشق وصحيفة “المهذب” بزحلة فأقبل القراء على مجلتها آنذاك إذ وجدوا فيها مقالات وأبحاثاً قيّمة تعالج المشكلات الاجتماعية والتربوية وتدعو إلى الأخذ بالعلم والوعي القومي للنساء والرجال معاً وتطالبهم بالذود عن الوطن والتمسك باللغة العربية.

أسست سنة 1920 النادي الأدبي النسائي الذي سعى لتحقيق نهضة أدبية اجتماعية ثقافية للمرأة العربية عبر إلقاء المحاضرات والحفلات الأدبية في بيتها الدمشقي، وفي عام 1922 وبمناسبة زيارة الأديبة مي زيادة لدمشق حضره وخطب فيه لفيف من صفوة الرجال والنساء ألقت ماري كلمة ترحيبية بمي زيادة في ذلك الاحتفال الذي أقيم تكريماً لها في مقهى “قصر البلور” في القصاع، وبانتهاء الاحتفال وقفت مي زيادة وألقت كلمة بليغة في وصف دمشق شكرت فيها المحتفلين من غير أن تذكر شيئاً رداً على خطاب الأديبة ماري عجمي، مما دعا الزعيم الوطني فارس الخوري إلى نقد سلبيتها بارتجال بيت من الشعر عقب مغادرة مي قصر البللور وبذلك يكون قد استرد لماري عجمي حقها، حيث قال:

يا أهل العبقرية سجلوا هذي الشهادة

إن ماري الأعجمية هي مي وزيادة

المتمردة

وأسهمت المرأة السورية إسهاماً كبيراً في النضال الوطني والحفاظ على اللغة العربية والدعوة إلى الاستقلال والتضامن العربي، فتحدث د.فخري بوش عن “ماري عجمي الأديبة المتمردة” فقال: علينا ألا نبخس حق المرأة السورية ونطمس تاريخها الوطني المشرق وعلينا أن نؤكد أنها في أوائل القرن العشرين كانت مهمشة ومع ذلك شاركت مجتمعها بتدعيم أسس النهضة الأدبية الاجتماعية، وعند الحديث عن دور المرأة السورية لا بد من استذكار الأديبة الشاعرة ماري عجمي أول امرأة صحفية سورية. والدها يوسف عبده العجمي أحد أعضاء المجلس الأرثوذكسي البطريركي الدمشقي ووكيل الكاتدرائية المريمية وكان رجلاً محباً للعلم والأدب، أما والدتها فهي زاهية أصل أسرتها من اليونان الوافدين إلى دمشق، عاشت ماري عجمي في البيت الدمشقي الفخم وكانت تتمنى هي وأصدقاؤها من الأدباء والكتّاب تحويل هذا القصر إلى متحف يسمى باسمها ويضم مقتنياتها وتراثها الأدبي والصحفي بعد وفاتها. كانت ماري تكتب في مجلة العروس بعض المقالات الصحفية، فالصحافة كانت عشقها الأكبر إلى جانب العلم وكان لها تطلعات أخرى فهي تهوى الكتابة وقلمها طيع في الشعر والنثر والعصر عصر انتشار الفكر وإنشاء المجلات والصحف، وأحدثت المجلة ثورة في نظرة المجتمع نحو المرأة التي كانت شغلها الشاغل، فقد سعت ماري جاهدة للقضاء على كل ما يعيق تحرير المرأة من جهل وتخلف، واستقطبت من خلال مجلتها “العروس” كبار الأدباء والشعراء للكتابة فيها أمثال جبران خليل جبران، وميخائيل نعيمة، وإيليا أبي ماضي وغيرهم. أقبل القراء على مجلتها إذ وجدوا فيها مقالات وأبحاثاً قيمة تعالج المشكلات الاجتماعية والتربوية وتدعو إلى الأخذ بالعلم والوعي الوطني للنساء والرجال معاً، وتطالبهم بالذود عن الوطن والتمسك باللغة العربية. عاشت ماري في فترة عصيبة من تاريخ الأمة العربية في عهد الاحتلال العثماني البغيض ثم الاستعمار الغربي فكانت من النساء الرائدات، وكانت الأديبة الثائرة تتحدى الجنود الأتراك وتذهب إلى زيارة خطيبها “الشاب بترو باولي” في سجن دمشق وتنقل إليه الرسائل وتشجعه بعد أن اعتقل بينما كان ذاهباً إلى بيت ماري حيث له أخ مريض فخدعه الشرطي واقتاده وقضى ثلاثة أيام اندلعت خلالها الحرب العالمية الأولى فنقل السجناء وهو في جملتهم إلى دمشق، وعندما علمت ماري به جن جنونها وأشارت عليه أن يهرب لكنه لم يستجب لها إذ كان بريئاً، ولم يرتكب جرماً يدفعه إلى الهرب حيث ثارت ثائرتها من اعتقاله فكانت تتحدى الجنود الأتراك ولم تنقطع عن مراسلته وهو خلف قضبان السجن، ورغم كل محاولاتها ووساطة البطريرك الذي كان يأخذ فقط الوعود الخلبية من جمال باشا، أصدر الأخير حكماً بإعدامه مع آخرين دون محاكمة.

واجهت ماري عجمي المستعمر الفرنسي، “إن أمة هان على أبنائها بذل الدماء لا يصعب عليها الانتصار في ميادين العمل” عبارة قالتها عجمي لتستنهض شعبها في مواجهة الاستبداد والظلم في فترة عصيبة عاشتها سورية، فقد واجهت بالروح الوطنية الرافضة لكل إرادة خارجية وحاول الانتداب ضم ماري كبقية الأقلام إلى جوقة الزيف لكنها رفضت الانصياع.

جمان بركات

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لا تعليقات