ما الأدب

هذا المقال رقم : 10 من 47 من العدد 2018-3-26-16067

حسن حميد
لي صديق ناقد، يقلّب الكتب مثلما تقلب يدا فلاح تربة الحقل مرة للتأمل، وأخرى للزراعة، أحنّ لمجالسته وسماع رأيه لأنه صافٍ مثل نبعة. قلت له في جلستنا الأخيرة، ما الذي يجعل أديباً مثل بوشكين خالداً في حضوره، وفي وجدان الناس، وخالداً في الأسئلة الدائرة حول أسرار الأدب والإبداع، قال: الصدق، والموهبة، والفلسفة. قلت: كيف؟ وبوشكين طوى مدونته الأدبية وهو في رحيق العمر، ابن أربعين سنة أو نحو ذلك! قال: الصدق والموهبة والفلسفة مثل الملح، تولد كما يولد الملح! قلت: هل حضوره، وافتتان الناس به يعود إلى موضوعاته أو إلى التقنيات التي اشتقها. قال: هذه متاحة لكل الناس، ما هو غير متاح يتمثل في هذه الثلاثية المتلازمة: الصدق والموهبة والفلسفة. كل النصوص التي لا يلتفت إليها وإن شال بها الضجيج الإعلامي أو الأيدلوجي، هي نصوص فاقدة لأطياف هذه الثلاثية المتلازمة: الصدق والموهبة والفلسفة. قلت: هذا البدو الشارق لـ بوشكين في الأدب الروسي والعالمي معاً، يعود، في بعض جوانبه، إلى أن الإبداع بما فيه من براعات ومتع وجمال يتراجع! قال: لا! دائماً، وفي كل الأزمنة، كانت النصوص المضيئة تتجاور مع النصوص المطفأة، مثلما تتجاور نباتات الخضرة الراهجة ونباتات الشوك الشائهة! قلت: سامحني، هل حضور بوشكين في الشعر والنثر يعود إلى أن تجارب أدبية لا أهمية لها ولا ثقل تبدو في هذه الأيام؟ قال: لا..! أهمية بوشكين بادية طيّ نصوصه التي تشير في كل منها إلى الصدق، والموهبة، والفلسفة. مجايلون له، وآخرون من الأدباء الذين جاؤوا بعده كانوا من أهل الإبداع النايف، لكنهم لم يحجبوا أدب بوشكين، وأدب بوشكين لم يحجب آدابهم التي حبّروها، هنا، وحين تتماثل صفات الصدق، والموهبة، والفلسفة.. تتجاور النصوص مثلما تتجاور أصابع اليد، أو قل مثلما يتجاور جمال الصدق والموهبة والفلسفة! قلت: وهل حال بوشكين تشبهها حالات أدبية في بلادنا العربية. قال: هي كثيرة، خذ ثلاثة من أدباء العرب، السياب من العراق، والطيب صالح من السودان، وأبو القاسم الشابي من تونس، وانظر في تجاربهم الأدبية من البداية إلى الخاتمة، واسأل نفسك وأنت تقرأ نصوصهم، لماذا بقي هؤلاء ترداداً على كل شفة ولسان، وحضوراً في كل مدونة نقدية، وأعلاماً في كل جامعة، وأسياداً في مملكة الأدب، وجهةً للسؤال في كل دار نشر محترمة! بعد السؤال لن تجد سوى ما بدأنا به هذا الحديث، أعني الصدق والموهبة والفلسفة. قلت: ألهذا تصير كتابات هؤلاء أصولاً، وغيرها فروعاً، أو هي المتون، وغيرها الهوامش! قال: لا..! هذه التجارب هي مرايا، وعلى الفطين من أهل الأدب أن يعرض نصوصه عليها، فإن بدت ترسيماتها، وإن تجلّت في حضورها، على المرء الأديب أن يقول لنفسه مطمئناً: إنني أمشي في الدرب الصحيح، وإلا فعليه أن يمضي في درب آخر، لأن درب الأدب ليس دربه. قلت: وهل من صفات للأدب الصادق، الناتج عن الموهبة، والحافظ للفلسفة. قال: لا..! لأن الصدق والموهبة والفلسفة تعريف لا صفات! قلت: وهل عديد هؤلاء كثير؟ قال: كل أمة تسعى، طوال حياتها، إلى أن يكون لها ألفٌ من أهل الصدق والموهبة والفلسفة! قلتُ..، وقال.. إلى أن قرع الوقت جرس الانتهاء، فنهضت، وأنا أهمهم: يا للأدب ما أصعبه! وحين استدرت سمعته يهمهم: وما أندر أهله!

Hasanhamid55@yahoo.com

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لا تعليقات