.. ما بعد الحرب

 

في الداخل، سيطر الجيش العربي السوري على حوض اليرموك آخر معاقل “داعش” في المنطقة الجنوبية، وفي الإقليم منيت مخططات أمريكا في تضييق الخناق على إيران بهزيمة جديدة، واستهدف الجيش اليمني ناقلة نفط سعودية في باب المندب. أحداث سرعان ما ترددت أصداؤها في سوتشي الروسية خلال الجولة العاشرة من اجتماعات أستانا، وفي البيت الأبيض عندما تراجع ترامب عن تهديداته لإيران طالباً الحوار معها وبمحفزات مغرية وخطاب يمكن اعتباره هزة أخرى لسيد البيت الأبيض الذي استنفد ما تبقى من هيبة أمريكية أمام أصدقائه قبل أعدائه.
ذلك يؤكد أن انتصارات الميدان بدأت تؤتي ثمارها في مضمار السياسة، حيث ملامح العالم الجديد بدأت ترتسم مع تلاشي التنظيمات التكفيرية، ذراع واشنطن في الحرب، وعجزها عن تحقيق أي منجز تتكئ عليه أمريكا للاستمرار في تعنتها وفرض أجنداتها عبر وضع العصي في عجلة حل الأزمة السورية، وكذلك الأزمات الطارئة التي اختلقها ترامب بعد إلغائه الاتفاق النووي مع إيران، فكان الموقف السوري واضحاً في سوتشي، حيث أكد رئيس الوفد أن محاربة الإرهاب أولوية وأن الدولة السورية عازمة على استعادة كل شبر من تراب الوطن بما في ذلك المناطق التي يحاول النظام التركي إبقاءها ورقة ضغط في يده، والمتمثّلة في إدلب، وأن مستقبل سورية يحدده شعبها دون أي تدخل خارجي، وهو موقف تماهى معه الموقفان الروسي والإيراني، وسط مواصلة نظام أردوغان اتباع سياسة اللعب على الحبال، لكنه لم يفلح في التأثير على نتائج الجولة، في حين تفاجأ الرئيس الأمريكي برفض طهران مقترحاته في التفاوض على اتفاق جديد.
وعليه فإن ما جرى خلال الأيام القليلة الماضية يعكس وضوحاً في استراتيجية محور سورية وحلفائها للمرحلة القادمة، حيث إن لا فرض لأجندات خارجية على حساب مصالح شعبنا، ولا خطوط حمراء لواشنطن تجعلها تبقى إلى أمد بعيد على الأرض السورية ولا للإرهاب أياً كان شكله أو تسميته، سواء كان “معتدلاً”، كالذي سوّقت له واشنطن، أو مصنفاً على القائمة الدولية كتنظيمات إرهابية، ما يعني صياغة حلول في سورية والمنطقة وفق ما تقتضيه المصالح الوطنية العليا وبما يتناسب مع مصالح شعبنا في المحافظة على السيادة والهوية واستقلالية القرار.
بالمقابل يتخبّط محور الحرب، وعلى رأسه أمريكا، في مواقفه، تارة يصعّد ويشعر المتابع أن العالم على شفا هاوية، وتارة ينفتح على الآخرين لحل المشاكل والأزمات عبر الحوار السياسي، وهذا ما يجعله محط انتقاد وحال من انعدام الثقة في الإيفاء بالتزاماته، وذلك ما يجعل الدول المستهدفة تعمل على مواجهته عبر الرد برسائل على الأرض وبالطرق الدبلوماسية تجبره على إعادة حساباته في كل خطوة يخطوها نحو العبث بأمن واستقرار منطقتنا، وبالتالي تصبح محاولاته تشكيل تحالفات طارئة ليست أكثر من خطوة في الهواء، لا تقدّم ولا تؤخّر، بل إنها في أحيان كثيرة تبيّن عجزه عن التأثير في المعادلات الدولية الجديدة.
نعم الحرب انتهت بانتصار مبين للدول المدافعة عن الكرامة والحقوق بعد الإنجازات الأسطورية للجيش السوري وحلفائه، وانتهت معها صيغة جنيف التي حاول الغرب ومعه المتآمرون في منطقتنا تمرير مخططاته عبر تفسير مقرراتها وتفصيلها على مقاس مصالحها، وبالتالي يصبح ما اتفق عليه في سوتشي وأستانا اللبنة الأساسية في مداميك حل الأزمة، ومن خلالها سيستعاد ما تبقى من أراض سورية تتواجد فيها تنظيمات تكفيرية أو قوات أجنبية تسللت بطرق غير شرعية، ما يعني بالنتيجة أن ما كان حلماً لدى الكثيرين بالعودة إلى ما قبل عام 2011 بات اليوم في متناول اليد ووفق ما يشتهي السواد الأعظم من أبناء شعبنا، وبما يمهّد الانتقال نحو مستقبل يرسمه من صمد ودافع عن الحقوق، وواجه أعتى هجمة في تاريخ المنطقة.
عماد سالم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لا تعليقات