مخاوف تركيا من الانتصارات السورية

ترجمة: هيفاء علي

عن ريزو انترناسيونال 2/8/2018

كان اجتماع سوتشي يوم الثلاثاء 31 تموز، والذي ضمّ  دبلوماسيين رفيعي المستوى من روسيا وإيران وتركيا، يرمي بالدرجة الأولى إلى تسريع مسار أستانا حول تسوية الأزمة السورية. إلاّ أنه في الواقع انعقد في سياق التفاهمات بين تلك الأطراف والتي وفقها ستقوم القوات الحكومية السورية بتحرير إدلب على الحدود مع تركيا من تكدس الإرهابيين فيها، وذلك بعدما حرّرت جنوب غرب القنيطرة ودرعا على الحدود مع الأردن، الأمر  الذي أثار مخاوف تركيا وقضّ مضاجع أردوغان الذي هدّد بالانسحاب من مسار أستانا في حال انطلقت العملية العسكرية في إدلب. مخاوف تركيا ناجمة عن خشيتها من إصرار مسلحي إدلب على مواصلة القتال ما وراء الحدود ورفضهم الخروج من إدلب أو تسوية أوضاعهم، ما سيؤول إلى تفاقم العنف على نطاق واسع وتدفق اللاجئين والإرهابيين باتجاه تركيا، على خلاف ما حدث في الجنوب السوري. ثمة تقديرات بوجود ما يقرب من مليونين ونصف المليون من السكان، وتركيا تسعى للحفاظ على وجودها في إدلب جراء علاقاتها المتينة مع الجماعات المتطرفة التي تحظى بدعمها اللا متناهي.

كان أردوغان تطرق إلى هذا الموضوع مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في مناسبتين خلال فترة وجيزة، متوسلاً إليه أن تقوم موسكو بمنع إطلاق العملية العسكرية في إدلب. وعقب اجتماع سوتشي الأخير، صرح مبعوث الرئيس الروسي الخاص إلى سورية: “أفضّل عدم الحديث عن هجوم إدلب أو أية عملية جارية، ثمّة الكثير من الشائعات وليس لها أي أساس من الصحة”.

لقد ألمح المبعوث الروسي إلى أن روسيا وتركيا تحاولان إيجاد طريقة للتأثير على المجموعات الإرهابية للخروج من إدلب، على غرار ما حصل في درعا والقنيطرة اللتين حررهما الجيش السوري دون معارك. لكن المبعوث الروسي أضاف: “التهديد القادم من إدلب خطير جداً”.. فخلال الأيام العشرة الأخيرة، صدّت روسيا أربع طائرات مسيّرة أطلقها مسلحو إدلب لاستهداف القوات الروسية في مطار حميميم.

من الجهة الأخرى، تبدو الحكومة السورية وقد اتخذت القرار لاستعادة مدينة إدلب، وكل شيء يشير إلى أن التحضيرات الكبيرة من أجل عملية عسكرية فيها جارية على قدم وساق. الجماعات الإرهابية الموجودة في إدلب يُقدّر عددها بـ 50 ألفاً وتضم مقاتلين (أتراك، اوزبيك، شيشان، تركمان، وعرب). الأمر الآخر الذي يثير قلق تركيا، إضافة إلى إدلب، هو المحادثات المباشرة التي جرت مؤخراً بين ما يسمى “قسد” والحكومة السورية . إذ يأمل المسلحون شرق الفرات التصالح مع الحكومة السورية والتعاون معها لإرغام تركيا على إجلاء قواتها من الأراضي التي احتلتها إبان عمليات عسكرية في العامين الأخيرين.

سياسة الأمر الواقع وضعت جانباً، رغم ذلك ليس لدى تركيا أي شيء تكسبه، شرعياً أو أخلاقياً، من سعيها لمنع الحكومة السورية استعادة السيطرة على كامل الأراضي السورية. وأيدي تركيا ملطخة بالدماء جراء دعمها لتنظيمي “القاعدة وداعش” الإرهابيين، والاحتلال التركي لجزء من الأرض السورية مزعزع بكل الأحوال. حقيقة مضت تركيا بعيداً عندما أملت بأن تستطيع استغلال التوترات بين الولايات المتحدة وروسيا كي تتفاوض مع أكبر قوتين وترفع سقف مكاسبها إلى أقصى درجة من تسوية الأزمة السورية. إلا أن الرئيس الأمريكي بدأ مؤخراً يزعج أردوغان ويضيق الخناق عليه على خلفية قضية اعتقال السلطات التركية للقس الإنجيلي الأمريكي بتهمة تورطه في محاولة الانقلاب الأخيرة.

تركيا لم تستوعب الرسالة من الانتصار المذهل للعمليات السورية-الروسية في جنوب- غرب سورية. وعليه سيكون هناك المزيد من الضغوط على تركيا كي تنسحب من الأراضي السورية في الأشهر القادمة، ومن البديهي أن يكون الانسحاب الأمريكي من سورية في المستقبل القريب على جدول الأعمال، ذلك أن مبادرة “قسد” التصالح مع الحكومة السورية ما هي سوى مؤشر قوي على أن رعاتهم الأمريكان سيغادرون ميدان الحرب. باختصار، باتت قدرة الولايات المتحدة على خلق أعمال جديدة على الأرض لصالح تركيا معدومة، الأمر الذي سيعرّض تركيا لضغوط متنامية كي تتفاوض على اتفاق مع روسيا للخروج من الأراضي السورية التي احتلتها في أفضل الشروط الممكنة.

ومن الواضح والمؤكد أن إصرار الدولة السورية على استعادة كامل الأراضي السورية راسخ والقرار اتُخذ منذ البداية ولا تراجع عنه. وسوف يحرّر الجيش السوري وحلفاؤه مدينة إدلب، وبعد ذلك سوف يحرر ما تبقى.   في السياق، ثمة مناوشات بدأت في المنطقة المحاذية لإدلب بين القوات الحكومية السورية والتنظيمات الإرهابية المسيطرة عليها. وعليه على تركيا أن تستيقظ من حلمها العثماني وترضخ لما يجري على أرض الواقع، وتكفّ عن التعويل على الأمريكي تارة والروسي تارة أخرى.

العمليات العسكرية انطلقت والانتصارات المتتالية التي حقّقها الجيش السوري وحلفاؤه في ميادين المعارك المختلفة من حمص إلى حلب ودير الزور، الغوطة الشرقية والغربية، وحديثاً درعا والقنيطرة، تؤكد على حقيقة واحدة: إدلب سوف تتحرر والعمليات العسكرية لن تتوقف حتى القضاء على آخر إرهابي على الأراضي السورية.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لا تعليقات