“مرايا الظلال القادمة”.. دراسات في الشعر العربي المعاصر

 

يعد كتاب “الظلال القادمة..دراسات في الشعر العربي المعاصر للدكتور ثائر زين الدين من الكتب الحديثة الصادرة عن الهيئة العامة السورية للكتاب.
يضم الكتاب بين دفتيه تسع دراسات نقدية صبت جل اهتمامها على الجوانب الفنية في الشعر المعاصر والحديث وتطور جماليات القصيدة العربية بدءاً من تخوم النص الجاهلي وصولاً إلى منازل القصيدة الحديثة، بكثير من التكثيف والإيجاز يرصد مؤلف الكتاب كيف بدأت مسألة استلهام عناصر التراث أدوات فنية تضرب جذورها في كثير من قصائد شعراء العربية منذ الثلث الثاني من القرن الماضي حتى الآن وأصبحت إحدى أبرز السمات الفنية لقصيدة التفعيلة الحرة من مستلهم للشخصية التراثية الأسطورية أو الأدبية أو التاريخية أو الدينية أو الفلكلورية وما شابه إلى من يستدعي المدينة أو المكان التراثيين إلى ثالث يسترفد الحدث التراثي فرابع يوظف السيرة الشعبية فخامس يدخل نصه في تعالقات وتناصات ثرية مع النصوص التراثية المختلفة مدفوعين جميعاً بجملة من الأسباب أو البواعث أولها الباعث الفني الذي انبثق نتيجة إدراك الشعراء العرب من رواد الحداثة أن حالة الركود التي عاشها العصر العربي خلال زمان طويل طغى فيها التكرار والاجترار والضعف حالة قارة لايمكن الخروج منها وتجاوزها إلا بالمغامرة الإبداعية على الصعد المختلفة وما دام تراث المنطقة كله ماثلاً أمام أنظارهم ومطروحاً بين أيديهم بكل طاقاته التعبيرية وإمكاناته الكامنة التي تحتاج إلى من يستخرجها ويكشف عنها، وقد سبقهم إلى مثل ذلك تيار واحد في الأدب الأوروبي يدعو إلى الارتباط بالموروث وتوظيفه ومثّل هذا التيار الشاعر ت.س. إليوت في شعره وكتاباته النقدية وأثر في كثير من شعرائنا الرواد فلماذا لا يعودون إذاً إلى تراثهم ولا يستغلون هذه الإمكانات ويصلون تجاربهم (بمعين لا ينضب على القدرة على الإيحاء والتأثير، وذلك لأن المعطيات التراثية تكتسب لوناً خاصاً من القداسة في نفوس الأمة ونوعاً من اللصوق بوجداناتها لما للتراث من حضور حي ودائم في وجدان الأمة والشاعر حين يتوسل إلى الوصل إلى وجدان أمته عن طريق توظيفه بعض مقومات تراثها يكون قد توسل إليه بأقوى الوسائل تأثيراً)؟
كما يتوقف د. زين الدين في كتابه عند الباعث السياسي الاجتماعي مبيناً أن الشاعر العربي وجد نفسه وعنقه بين نطع الرقابة الاجتماعية والدينية وسيف الرقابة السياسية:”فهل يبيع لهؤلاء الرقباء حريته ويصمت؟” أو يلجأ إلى وسائل فنية جديدة تمكنه من قول ما يريد من غير أن يدفع ثمناً باهظاً قد يكون تكفيره أو نفيه أو قتله! مشيراً إلى أنه سواء نجا أولئك الشعراء مما ذكر أو لا فإنهم قد طرحوا بين أيدينا نصوصاً باهرة امتازت عن ما سبقها بكثير من الجماليات الجديدة فكانت النقمة التي انصبت على رؤوس بعضهم، نعمة على الأدب العربي وكانوا كما عبّر شيلي ذات يوم (كهنة الوعي الذي لا يدرك ومرايا الظلال الهائلة التي يلقيها المستقبل على الحاضر مشرعي العالم غير معترف بهم).
كما سيلاحظ القارئ للكتاب أن أربعاً من الدراسات رصدت صورة المرأة وأشكال حضورها في أعمال أربعة شعراء من أقطار مختلفة وأجيال متتالية منذ الثلث الأول من القرن الماضي حتى مشارف الألفية الثالثة، وسيلمس القارئ كيف ترافق التطور في نظرة الشاعر إلى المرأة من النواحي جميعها من تطور وسائل تعبيره وتطور أدواته الفنية وجماليات التناول بصورة عامة.
أمينة عباس

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لا تعليقات