مسعود جوني.. مجموعةٌ من الشخصيات في ذاتٍ مُبدِعة

هذا المقال رقم : 11 من 53 من العدد 2018-6-13-16125

 

في وداعهِ كتبَ الباحثُ د. مسعود بوبو قائِلاً: “ها هو ذا صوتٌ دافئٌ يُغلِقُ نافذةَ السهرِ ويرحل.. يُطلِقُ فرسهُ في حقولِ قمحٍ تخضَّبَتْ بألوانِ الفجرِ والشفَق.. وحيدةً كقمرٍ مُجفِلٍ خلفَ السُحُبْ، يتيحُ للبخورِ أن يتَّقِدَ ويتغلغلَ في شرفاتِ البيوتِ وأصداغِ الأمَّهاتِ، يتركُ في “مشقيتا” رفوفَ القُبَّرَاتِ تعلو وتعلو وهي تُصلّي.. ثمَّ تهوي نيازكَ في القميصِ الجويِّ الرقيقِ.. يتركُ زغرودةً من عصافيرَ ذبيحةٍ على سكاكينِ الأسيِجَةِ، وتُغمِضُ التنانيرُ عيونَها على الرمادِ.. ومن جديدٍ يصيرُ الطريقُ صعباً إليكَ يا صديقي.. يصيرُ غمامةً مِنَ الأسى والاختناق. فأيَّةُ مسافةٍ هذهِ التي كموجِ البحرِ وأنتَ لم تنتقِلْ إلَّا مِنَ العينِ إلى القلبِ. سلاماً يا صديقي.. سلاماً، لِمَنْ تركَنا نتأملُ كيفَ ترحلُ الأصواتُ، وتبقى حقولُ القَصَبْ.”.

إنهُ الأديبُ والشاعِرُ السوري مسعود جوني المولود في مشقيتا التابعة لمحافظة اللاذقية عام 1938م. تلقى تعليمهُ قبلَ الجامعي في مدينةِ اللاذقية، ثم سافرَ عام 1957م إلى مصر للالتحاقِ بالكليةِ الحربيةِ، وفيها حصلَ على البكالوريوس في العلومِ العسكريَّةِ عام 1959م كما نالَ الإجازةَ في الحقوقِ مِنْ جامعةِ دمشق، عَمِلَ ضابطاً في الجيشِ العربي السوري، وتدرَّجَ حتى رتبةِ رائِدْ، قبلَ أن يتحوَّلَ إلى وظيفةٍ مدنيَّةٍ كمُديرٍ للدفاعِ المدني في محافظتي اللاذقية وطرطوس. تولى رِئاسةَ فرعِ اتحادِ الكُتَّابِ العربِ في اللاذقيةِ حتى وفاتهِ عام 1991م، وكانَ عضو جمعيةِ الشعرِ في اتحادِ الكُتَّابِ العربِ بدمشق.

حملَ همومَ الأُمَّة

في التعريفِ بالأديبِ والشاعر جوني كتبَ الأديبُ عزيز نصار قائلاً: “يحملُ على كتفيهِ همومَ الأُمَّةِ وكانَ يرى في الحبيبةِ حلماً متوهِّجاً وتحقيقاً للذاتِ القوميِّةِ وأملاً يرتبطُ بالوحدةِ ذاتِها، فالحبيبةُ رمزٌ للوحدةِ ومعادلٌ موضوعيٌّ وكلُّ ما يُقرِّبُهُ منَ الوحدةِ يُقرِّبُهُ منَ الحُبِّ وكُلُّ ما يُبعِدُهُ عنِ الوحدةِ يُبعِدُهُ عن الحب”.

عُرِفَ الأديبُ السوري مسعود جوني بشعره القومي بصورةٍ خاصة، والوجداني بصورةٍ عامة، وقد أصدرَ عدداً منَ الدواوينِ الشعريَّةِ: أغنياتٌ للحبِّ والشعب، اللهبُ والظِل، بيني وبينكِ خطوتان، يقولُ المُثنى، وفي عالمِ الروايةِ كانت بدايتهُ مع روايةِ ” البلاغ رقم 9″ وأعقبها بروايتهِ الثانية “بيتٌ منَ البازلت”.

من قصيدتهِ “عيناكِ شعر” نقتطِفُ هذه المقاطع:

حملتُكِ في قلبي ربيعاً من الحبِّ

فكُنتِ ربيعَ الحُبِّ في خفقةِ القلبِ

ولوَّنتِ أيَّامي بألفِ حديقةٍ

تأنَّقَ في إبداعِها سَاعِدُ الربِّ

أُحِسُّكِ في نفسي رؤىً شاعريَّةً

يموجُ بها نيسانُ في موسمِ الخَصبِ

وعيناكِ شِعرٌ، لا أقولُ قصيدةٌ

أرى ألفَ عنوانٍ على الجفنِ والهُدبِ

نثرتِ أمانيَّ الموشَّاةَ فارقبي

مواعيدها الخضراءَ عن موعدي تُنبي

توفِّيَ الأديبُ جوني في 16 أيار 1991م بعد مسيرةٍ حافلةٍ بالتألُّقِ والإبداع، مُخلِّفاً وراءَهُ نتاجاتٍ مُهِمَّة، تُشكِّلُ إضافةً نوعيَّةً للمكتبةِ الإبداعيَّةِ السورية والعربية.. وكلنا أملٌ أن نجدَ هذهِ النتاجات مجمَّعَةً في إصدارٍ نوعي تتولى إظهارهُ إلى النور إحدى مؤسساتنا الثقافية السوريَّة، ما يُسهِمُ في تعريفِ الأجيالِ الشابة على إبداعِ قامةٍ سوريِّةٍ مميَّزة.

نضال حيدر

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لا تعليقات