مشروع قانون حبيس الأدراج القضاة العقاريون.. حقوقهم تضيع في زحمة اللجان.. وحرمان غير عادل من عائدات صندوق اللصيقة القضائية!

هذا المقال رقم : 47 من 48 من العدد 2018-6-6-16120

رغم أهمية ما يقومون به، والملفات العديدة التي يتولون معالجتها لإنصاف الناس، وإعادة حقوقهم، بناء على المهام المسندة إليهم بأعمال التحديد، والتحرير، والتجميل، وإزالة الشيوع، والأحكام التي يصدرونها بهذه القضايا، إلا أنهم، للأسف، يبحثون عن حقوقهم الضائعة، ويطالبون بإنصافهم ومساواتهم بغيرهم من المنضوين ضمن القطاع القضائي، فالقضاة العقاريون ينطبق عليهم المثل القائل: (السكافي حافي والحايك عريان)، طبعاً نعتذر عن هذا الإسقاط، لكنه وبكل تجرد يمثّل واقع حالهم الذي حسب ما نقلوه لنا “لا يرضي العدو ولا الصديق”.
تعديل القانون
القضاة العقاريون الذين اغتنموا فرصة التواصل معنا لإفراغ جعبة همومهم وشجونهم، والإفصاح عن مطالبهم، كانت لديهم كل الدوافع للحديث بكل جرأة وشفافية عن واقع حالهم، والتعبير عن الغبن اللاحق بحقوقهم نتيجة عدم مساواتهم بغيرهم من القضاة الإداريين والعسكريين، حيث استندوا في بداية حديثهم إلى كتاب مجلس الوزراء رقم 9222 تاريخ 5/6/ 2014 بخصوص التوفيق بين القوانين والتشريعات والأنظمة النافذة على أحكام دستور الجمهورية العربية السورية، لينتقلوا بعد ذلك للحديث عن أنه بناء على ذلك تم تشكيل لجنة قانونية مهمتها مراجعة القانون رقم 16 لعام 2014 بموجب قرار وزير العدل رقم 3890/ ل تاريخ 10/9/ 2016 استناداً إلى موافقة رئاسة مجلس الوزراء، وتم تعديل القانون 16 لعام 2014، وإعداد مشروع القانون اللازم المتعلق بالقضاة العقاريين من قبل اللجنة، وعرضه على موقع وزارة العدل لبيان الملاحظات القانونية إن وجدت.
وتابعوا: بعد أن تغير وزير العدل، بقي المشروع المشار إليه حبيس الأدراج، وبعد المطالبة تم تشكيل لجنة جديدة للموضوع نفسه، إلا أنهم استثنوا منها تسمية القضاة العقاريين (أصحاب العلاقة) من باب أهل مكة ليست أدرى بشعابها!.

الزمن الفاصل
وكشفوا أيضاً صدور بعض التشريعات التي تتعلق بالقضاء بالزمن الفاصل بين عمل اللجنة السابقة، وتشكيل اجتماعات اللجنة الحالية، ومنها القانون المتعلق بتحسين وضع القضاة، وزيادة التعويض المكتبي من ألف ليرة سورية إلى عشرة آلاف، إلا أنه لم يشمل القضاة العقاريين، رغم أنهم يستفيدون من هذا التعويض بموجب القانون رقم 16 لعام 2014 المادة /11/ منه التي نصت صراحة على ذلك، وهذا ما أدخل القضاة العقاريين بحالة من تناقض القوانين، وضياع حقوقهم، وبدلاً من إنصاف القاضي العقاري، ورفع المظلومية عنه طالما أُسند إليه عمل قضائي يوصل الناس بموجبه إلى حقوقهم العينية العقارية، حرم من عائدات صندوق اللصيقة القضائية التي يستفيد منها جميع القضاة من عاديين، وعسكريين، وإداريين، ومحكمة دستورية، ومحامي الدولة، ورغم اختلاف تبعيتهم الإدارية عن بعضها، بقي القضاة العقاريون خارج هذه المنحة من قائد الوطن التي أتت منعاً لحاجة القاضي، وتحصيناً له، فهل القاضي العقاري ليس بحاجة لها، أو ليست لديه الوثائق التي توضع عليها طابع اللصيقة القضائية، من استدعى، والاعتراض، وضبط، وكشف، وصور قرارات حكم، وغير ذلك من بيانات ووثائق، إضافة إلى أنه لم يستفد من موضوع وسائط النقل والسيارات التي تم تخصيصها للقضاة بناء على قرار مجلس الوزراء المتعلق بذلك، والذي لم يفرق بين القضاة للاستفادة من ذلك، ونتساءل: كل هذا الإجحاف بحق هذا القاضي الذي تصدر قراراته باسم الشعب السوري، وينظر بقضايا وحقوق عينية عقارية تصل قيمتها في بعضها لملايين الليرات السورية، وقراراته منشئة للصحيفة العقارية ذات القوة الثبوتية المطلقة، من الأجدى أن نحصن هذا التعاطي من جميع النواحي، وأن نعطيه جميع الحقوق والمزايا التي يتمتع بها القضاة في بلدنا أسوة بهم؟!.

إصدار تشريع
وضع القضاة العقاريون مطالبهم برسم الجهات المعنية، وتلمسوا إصدار تشريع مؤسساتي ينصف القضاة العقاريين كي تكون لهم الحقوق والمزايا نفسها، وعليهم الواجبات نفسها التي لباقي القضاة من عاديين، وعسكريين، وإداريين، وأن تكون تشريعات لبناء مؤسسات تنهض بالبلد، وغير خاضعة لرغبات وأهواء أشخاص، وخاصة أن التعاطي العقاري يخضع للتفتيش القضائي، ويطبق قانون البيانات في الأدلة، والإثبات، وإجراءات الشهود، وقانون أصول المحاكمات في الحضور، والإجراء، ونظام الجلسات، وتصحيح الأحكام، وتفسيرها، وإصدارها.
وأضافوا: بهدف تطوير وإيجاد ضمانات تمكن القاضي العقاري من النهوض بمهمته بكفاءة عالية وحيادية واستقلال تام، خاصة أن المشرع متجه نحو الاختصاص في القضاء، وسعى إلى تأكيد الصفة القضائية للقاضي العقاري من خلال المرسوم رقم 16 لعام 1980، والقانون 6 لعام 1995 اللذين أنصفاه من خلال استحقاق القاضي العقاري للتعويض القضائي والمكتبي والقانوني رقم 4 لعام 1995 الذي ساوى بين القضاة العقاريين وباقي القضاة العاديين من حيث سن التقاعد، والقانون 24 لعام 1981 الخاص بالهيئة المركزية للرقابة والتفتيش، ولائحته التنفيذية، ولاسيما المادة 3 منه، فقرة ب التي استثنت القضاء العادي، والقضاء العقاري من رقابة الهيئة المركزية للرقابة والتفتيش، وبالتالي نلتمس تعديل القانون /16/ لعام 2014 بحيث يصبح القضاة العقاريون كالقضاة العدليين لهم ما لهؤلاء من حقوق، وعليهم ما عليهم من واجبات، ويتمتعون بالمزايا نفسها.
حقوق ومزايا
مطالب وهموم القضاة العقاريين كانت موضع نقاش بيننا وبين القاضي المستشار مخلص قيسية رئيس محكمة الاستئناف المدني بدمشق الذي تجاوب مباشرة معنا، وقدم لنا الإجابات التي كنا نبحث عنها، حيث وضح في بداية حديثه أن القانون 16 لعام 2014 لم يتضمن بياناً مفصلاً للحقوق والامتيازات التي هي للقضاة العقاريين، وإنما اقتصر على إيراد بعضها، وأحال بعضها إلى الأحكام الواردة في النظام الأساسي للعاملين في الدولة الصادر بالقانون رقم 50 لعام 2004.
وحدد القاضي قيسية الحقوق التي جاء عليها القانون بحصانتي النقل والعزل، إذ يستفاد من نص الفقرة الأولى من المادة /4/ بأنه لا يجوز نقل القاضي العقاري على ملاك المصالح العقارية إلا لأسباب تبرر هذا النقل، وهنا إذا تحقق المسوغ يتم النقل حصراً بقرار من وزير العدل بناء على اقتراح من المدير العام للمصالح العقارية، أي أن هذا النقل لا يقبل بشكل عادي شأنه شأن نقل أي موظف آخر، وإنما لابد من وجود مسوغ قوي يبرره وإلا فلا مجال للنقل.
كما يستفاد من الفقرة /ب/ من المادة ذاتها، فعزل القاضي العقاري له شرطان: الأول إخلاله بواجباته الوظيفية، وهنا لابد من توجيه تنبيه له بصورة سرية من المدير العام للمصالح العقارية، والثاني تكراره لهذا الإخلال رغم التنبيه، ومع ذلك لا يتم العزل إلا بعد الإحالة للتفتيش القضائي، وانتظار تقريره حول ذلك، وسماع مقترحه، ويكون هذا العزل لقرار فردي من وزير العدل، ولا يخضع القاضي لمحاكمة تأديبية أمام مجلس القضاء الأعلى.

الإجازات والتعويضات
وعن حق الإجازة بيّن القاضي قيسية أن هذه الإجازة بأنواعها منصوص عليها في القانون الأساسي للعاملين في الدولة رقم 50 لعام 2004، وتمنح هنا من قبل المدير العام للمصالح العقارية، وليس من الوزير، وهذا النظام هو من الإجازات التي يحق لعامة موظفي الدولة الحصول عليها، وبالنسبة للأجور والتعويضات أكد أن المقصود بها ما يتطلبه عمل القاضي العقاري من أجور وتعويضات ومصاريفها، وهي غير الأجر الشهري المقطوع وتوابعه، وهذه الأجور والتعويضات تصرف للقضاة العقاريين من الموازنة المخصصة للمديرية العامة للمصالح العقارية، وبقرار من المدير العام المشرف على هذه الموازنة، وهذا ما جاء في نص المادة 20 من هذا القانون.

استثناءات الحصانة
وتابع القاضي قيسية استعراض الحقوق ليأتي في حديثه على نص المادة /11/ من هذا القانون، حيث ساوى ما بين القضاة العقاريين والقضاة العاديين في الحصانة، مع بعض الاستثناءات التي حددتها المواد /4-8-10/ من هذا القانون، والمادة 4 هي التي حددت أصول النقل والعزل، وأحالت بدورها إلى نص الفقرة /ب/ من المادة /8/ والمادة /10/، حيث تحدد أصول ملاحقة القضاة العقاريين جزائياً من الجرائم المرتكبة منهم أثناء تأديتهم الوظيفة أو خارجها، وهذه الملاحقة، وبغير حالة الجرم المشهود، لا يتم تحريكها إلا من قبل النائب العام للجمهورية، أو بقرار من لجنة الإذن المؤلفة من رئيس محكمة النقض، ونائبيه الأولين، وهي ذاتها المختصة برفع الحصانة عن القضاة العاديين، بل إن ما هو وارد بنص المادة /10/ هو ذاته ما ورد بقانون السلطة القضائية رقم 98 لعام 1916.
وهنا كان للقاضي قيسية رأي واضح، حيث أكد أن القول بهذا الاستثناء غير منطقي، فطالما أعطي القاضي العقاري حصانة القاضي العادي ذاتها فلا داعي للاستثناء، ونحن نرى أن مساواة الاثنين بهذه الحصانة هو عمل صحيح من حيث الدستور، وفي البداية والنهاية هم قضاة بكل معنى الكلمة من حيث عملهم ونتائجهم.
وقد بيّن نص المادة /11/ أحقية القضاة العقاريين لنوعين من التعويضات هما تعويض طبيعة العمل القضائي، وتعويض المكتبات، وكلاهما مقرر للقضاء العادي، ولم يبيّن القانون أحقيتهم بعائديات اللصيقة القضائية، وهذا سهو لا مبرر له، خاصة أن جميع المعاملات والأوراق والطلبات المقدمة أمامهم يفرض عليها طابع اللصيقة، ولكن طالما سكت النص فلابد من تطبيق هذا السكوت.

مسؤوليات ومهام
وحول مهام القضاة العقاريين ومسؤولياتهم عاد القاضي قيسية إلى مواد القانون ليضع أمامنا ما تضمنته المادة الأولى من القانون /16/ التي بيّنت عمل القاضي العقاري بصورة عامة، فقالت عنه بأنه يقوم بأعمال التحرير، والتحديد، والتجميل، وإزالة الشيوع، وما تسمح به القوانين والأنظمة النافذة، أي أن مهام ومسؤوليات القاضي العقاري محددة بالقوانين العقارية الخاصة، ودوره فيها، ومسؤوليته عن إتمام العمل والإشراف عليه.
وأضاف: لقد بيّنت المادة /21/ بفقرتيها مهمة معينة للقاضي العقاري، وهي ذات شقين: الأول دوره كعضو في اللجنة المرؤوسة من المدير العام للمصالح العقارية، والتي تختص بوضع البرامج الزمنية للإصدار، وإيداع قرارات التحديد، والتحرير، والاعتراضات عليها، والثاني يتعلق بالتقارير الدورية التي عليه تقديمها، مع رأيه بشأن الدعاوى القائمة أمامه، والمفصولة منها، وما تم إيداعه من محاضر التحديد، والتحرير، وما هي العوائق التي تعترض سير العمل أمامه، ومقترحاته اللازمة لذلك.

سن التقاعد
وما أغفلنا السؤال عنه بخصوص التقاعد كان حاضراً في إجابات القاضي قيسية الذي أعطى رأيه وموقفه بكل صراحة، وبدأ حديثه بما حددته الفقرة /ب/ من المادة /11/ من هذا القانون، من حيث إن سن التقاعد للقاضي العقاري بإتمام الخامسة والستين، والواضح من هذا النص أن المشرع لم يخضع القاضي العقاري لأحكام القانون رقم /64/ تاريخ 27/12/2006 التي رفعت سن التقاعد للقاضي العقاري إلى السبعين، وتركت الحق لمجلس القضاء الأعلى بإحالته إلى التقاعد عند بلوغ /65/، أو تجاوزها إذا رأى أن القاضي غير قادر على أداء مهامه الوظيفية، ونلاحظ أن المشرع في الوقت ذاته أخرج القضاة العقاريين من حيث السن من زمرة الموظفين العاديين الذي يحدد تقاعدهم بسن الستين، أي أمسى القاضي العقاري بموضع وسط بين هؤلاء وهؤلاء، ولا نرى مبرراً لهذا الوضع الشاذ، فطالما أعطي القاضي العقاري حصانة وتعويضات القضاء العادي، فالأولى أن يعطى سن التقاعد.

خلاصة القول
إنصاف القضاة العقاريين الذين تمهر أحكامهم باسم الشعب السوري أمر في غاية الأهمية لما له من نتائج إيجابية، سواء على واقع عملهم ومعنوياتهم وتحفيزهم، أو لناحية حقوق الناس، والحكم بالعدل، ولذلك يجب الإسراع بتعديل القانون وإخراجه من الأدراج إلى ساحة التنفيذ في أقرب وقت ممكن، وهذا هو جوهر العدالة.
بشير فرزان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لا تعليقات