معاهدة فرساي

هذا المقال رقم : 33 من 68 من العدد 2018-11-14-16231

ترجمة: علاء العطار

عن موقع “فالداي” 10/11/2018

كانت معاهدة فرساي لعام 1919 معيبة للغاية، ومقارنتها مع معاهدة فيينا لعام 1815 تصيب الموضوع في الصميم، وبعد اثنين وعشرين عاماً من الحرب المتأصلة في محاولات فرنسا للسيطرة على أوروبا، فرضت القوى المنتصرة (بريطانيا وروسيا والنمسا وبروسيا) سلاماً متساهلاً على فرنسا، لكنها دعمت ذلك السلام بتحالف عسكري دفاعي من المنتصرين ضد أي محاولة فرنسية أخرى، وفي عام 1919 فرض المنتصرون سلاماً أكثر قسوة على ألمانيا، لكنهم فشلوا في حمايته بالقوة العسكرية، ولم يكن من المفاجئ استمرار معاهدة فيينا في نقاطها الرئيسية لتسعة وتسعين عاماً، واستمرار معاهدة فرساي لعشرين عاماً، ولم يكن للحلفاء الغربيين الظفر في الحرب العالمية الأولى لولا التدخل الأمريكي.

وعندما أدت تقلبات السياسة الأمريكية الداخلية إلى انسحاب الولايات المتحدة نحو العزلة بعد عام 1919، أصبح النظام الأوروبي الذي تم إنشاؤه نتيجة للتدخل الأمريكي مهدداً، ومع تجهّز بريطانيا أيضاً لانسحاباتها الدورية من أوروبا بعد عام 1919، تُرك الفرنسيون وحدهم مع عبء الحفاظ على النظام الإقليمي الذي تولد عن معاهدة فرساي، ونظراً لأنها أصبحت أضعف بكثير من ألمانيا في الصناعة وتعداد السكان، لم يكن لدى فرنسا فرصة لتحمل هذا العبء على المدى البعيد.

كانت تكمن مسببات الحرب العالمية الأولى في أوروبا الشرقية في المقام الأول، وفوق كل شيء، عنى ذلك نشوء أزمة من الإمبراطوريتين العثمانية والنمساوية، وخوف ألمانيا من القوة الروسية المتنامية التي دفعت برلين إلى إشعال حرب أوروبية في عام 1914 في وقت كانت لا تزال واثقة من النصر فيه، ومن سخرية القدر أن الحرب التي بدأت كصراع بين الروس والألمان للهيمنة على وسط شرق أوروبا انتهت بهزيمة وتفكك الإمبراطوريات الثلاث (رومانوف، هابسبورغ، هوهنزولرن)، وأصبحت المنطقة الواسعة من الإمبراطورية النمساوية السابقة فراغاً جيوسياسياً، حيث عززت حالةَ عدم الاستقرار النزاعات بين الجماعات القومية العرقية التي تُعدّ نتيجة معتادة لتفكك أي إمبراطورية، وأقيمت معاهدة فرساي ضد روسيا وألمانيا، ودون مشاركتهما، ورغم انكسارهم المؤقت في عام 1919 بفعل الهزيمة والثورة، ظل الألمان والروس أقوى تجمعين في أوروبا، وكان من المستبعد أن تستمر معاهدة سلام تجاهلت مصالحهما ومطامحهما بمجرد استردادهما لقوتهما الدفينة، وهو ما حدث في ثلاثينيات القرن العشرين.

وفي مواجهة القوة الألمانية المنبعثة من قيادة توسعية، كان الرد الأكثر أماناً هو إعادة تشكيل التحالف الفرنسي-الروسي-البريطاني الذي نشأ قبل عام 1914، وكان ليحدث ذلك لو أن روسيا وقفت بين القوى المنتصرة في عام 1919 وشاركت في معاهدة السلام، حتى لو بقي التحالف الفرنسي الروسي، لكان وقف في وجه النازية، لكن إقامة تحالف لردع هتلر والدفاع عن نظام فرساي بين روسيا السوفييتية وفرنسا وبريطانيا الرأسماليتين كان عسيراً للغاية، فقد كانت الثقة المتبادلة مستحيلة، وكانت المصالح والإيديولوجيات متباينة للغاية، وكانت إحدى مآسي التاريخ الروسي في القرن العشرين أنه بسبب انفجار القوة الروسية في عام 1917، اضطر الشعب الروسي (وبقية أوروبا) إلى خوض الحرب العالمية الأولى مرتين، ومع انتشار حالة عدم الاستقرار في معظم أرجاء أوروبا الشرقية والشرق الأوسط، عدنا اليوم في نواح كثيرة إلى حيث كنا في عام 1919: تأمل الفوضى التي خلفها انهيار الإمبراطوريات الروسية والنمساوية والعثمانية والألمانية.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لا تعليقات