مفاجآت ” ملفّ الأسرار”..

هذا المقال رقم : 5 من 75 من العدد 2018-12-25-16259

 

لم يعد ثمة أسرار.. فقد خرجت المداولات الهامسة والخجولة بشأن آفة التهريب، من الغرف المغلقة إلى طاولات التداول الرسمي بصوتٍ عالٍ، وهو المنعطف أو المتغيّر الذي يشي بأن شيء ما قد لا يتأخر، سوف يقلب الطاولة على رموز التجارة الخارجة على القانون ولا سيما الكبار منهم.
ففي خلاصات التحرّيات الرسمية عن الحقائق ظهرت حزمة ثخينة من المفاجآت على شكل قرائن إدانة وظنون ترقى إلى مقام اليقين، تؤكد اكتظاظ هذا الملف بما يتعدّى الحدود التقليدية لتجليات جذوة الجشع، ومصطلحات التشفّي الكلامي من الفاعلين من قبيل ” تجار الأزمة والحيتان”، إنه الاستهداف الناعم لسورية الاقتصاد وسورية المواطن، إن اختلفت جنسيات أصحاب دور البطولة فيه، يبقى “الجاسوس التركي” رأس الحربة.. فهناك على تخوم خاصرتنا الشمالية تموضع أضخم مستودع إقليمي لتجميع  كل “المفخخات” المعدّة لسورية، من تدفقات قطعان المسلّحين و أسلحتهم في ذروة التصعيد الإرهابي والحرب، وصولاً إلى تدفقات طرود “السمّ في الدسم” وعند هذه الأخيرة يبدو الخطر الأكبر.
يمكن أن نتفهّم أن إغراقنا بالسلع التقليدية، هو عبارة عن استراتيجية منظمة قبل الحرب المعلنة على بلدنا، أي منذ تطبيقات منطقة التجارة الحرة مع “الشريك التركي المتسلل” إلينا، بهدف إصابة الاقتصاد الإنتاجي السوري بالشلل صناعياً وزراعياً، ولعلّهم نجحوا جزئياً عندما كنا تحت تأثير جرعة الريعيّة التي حقنّا أنفسنا بها، ونحن نحزم حقائبنا ونلملم أوراقنا متجهين صوب مجاهيل الليبرالية المغرية والجاذبة.
لكن ما لا يمكن أن نتفهمه ولا نصدّقه، أن ثمة جمعيّات خيريّة هناك – مثلاً – ترأف بحال الشعب السوري، وتدفع له شحنات الأغذية تهريباً بـ “تراب المصاري” كالمعلّبات والفروج الجاهز بسعر لا يساوي 20% من تكلفة إنتاجه محليّاً ؟؟!!
في الأمر غايات غير اقتصاديّة إذاً.. صحّة المواطن السوري باتت الحلقة الأخيرة في سلسلة بنك الأهداف المتخم، الذي جرى ترتيبه لنا بعناية ورويّة فائقتين، وهي وقائع تعيدنا بالذاكرة إلى زمن تهريب الأقماح المهجّنة إلينا من تركيا، والسلالات العقيمة غير قابلة للتكاثر، والمبيدات الزراعية التي ثبت أنها عبارة عن فيتامينات إنعاش للآفات والجائحات التي أخرجت زراعات كثيرة وحيّدتها من مضمار الاستثمار وأسقطتها من “نعمة الكفاية” التي حبتنا إياها طبيعة سورية السخيّة.
هو سرد كان لا بدّ منه كتوطئة لجواب على السؤال الصعب الذي يستفسر عن أي فرق يمكن تلمّسه فعلاً بين قادة قطعان الإرهاب المتدفقة نحونا، وزعماء قوافل التهريب المنظمة ممن ظهروا بياقاتهم البيضاء وهم يلوحون ولاءً للوطن ؟؟؟
لدى مديرية الجمارك العامة ما لديها من معطيات وأدلّة وأسماء مُدانة، ولدى سواها من الجهات الرسمية ما لم تقله بعد،  فقوائم الإدانة لم تعد في الظل ولعلّها ستكون مقدمة محفّزة للخروج بتشريع رادع  وسريع، يشبه التشريع الخاص بعقوبات الاتجار بالمخدرات، وسيتكفّل ببتر ظاهرة التهريب من جذورها، أو على الأقل النسبة الأكبر منها.
هو إجراء بوليسي مطلوب بإلحاح في مرحلة نحاول الابتعاد عن أدوات الردع المباشرة، لكن إلحاح الظرف يحتم اللجوء إلى خيارات فوق العادة.. فالموقف بات على درجة كبيرة من الحساسية.. لأنه يتّصل بأبعاد وطنية عميقة، ولنلاحظ أن المفردات ذاتها تتكرر في ملف التهريب والملف الميداني السياسي والعسكري.. حلب وإدلب وريف حماه الشمالي، ليغدو من البدهي التزامن في حسم هذه الملفّات، وهذا ما سيحصل وفق المعطيات الراشحة من أروقة القرار وجميعنا شركاء في الحسم لا سيما التاجر المهرّب والصناعي الذي استساغ تناول مدخلات إنتاجه من أقرب نقطة حدوديّة.
ناظم عيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لا تعليقات