مفاهيم الحكم وما يجب أن يكون

هذا المقال رقم : 41 من 70 من العدد 2018-10-12-16208

 

الدكتور سليم بركات
تعد مفاهيم الحكم مفاهيم محايدة، وتعبر عن إدارة شؤون المجتمع سياسياً، واقتصادياً، واجتماعياً.. كما تعدّ مفاهيم الحكم أوسع من مفاهيم السلطة، لأنها  تتضمن بالإضافة إلى عمل أجهزة الدولة الرسمية عمل المؤسسات غير الرسمية، كالقطاع الخاص، ومنظمات المجتمع الأهلي، ولما كانت هذه المفاهيم تعبر عن إدارة ممارسة السلطة على مختلف المستويات المركزية، واللامركزية. فهي بهذا المعنى لا تعني بأنها حديثة العهد، وإنما تعني أنها مفاهيم متطورة قديمة قدم البشرية، كونها تدل على الآليات والمؤسسات التي تشترك في صنع القرار أو التأثير فيه.
استخدم مفهوم الحكم الصالح منذ عقدين من الزمن، على أنه الحكم القيمي المتمكن من إدارة شؤون المجتمع باتجاه تنموي تعددي، تقوم به قيادات سياسية جديرة، وكوادر إدارية ملتزمة، لتطوير موارد المجتمع من أجل تحسين نوعية حياة المواطنين، عبر مشاركتهم ودعمهم. ولقد تطور هذا المفهوم مع مفاهيم التنمية الاقتصادية البشرية المستدامة، والتي تستند إلى منهاج تكاملي يقوم على العدالة والمشاركة والتخطيط طويل المدى في مختلف المجالات، وعلى كافة الصعد. ولما كانت إدارة شؤون المجتمع تتضمن أبعاداً متعددة منها البعد السياسي المتعلق بطبيعة السلطة السياسية، وشرعية تمثلها، ومنها البعد التقني المتعلق بعمل الإدارة العامة وكفاءتها وفاعليتها، ومنها البعد الاقتصادي الاجتماعي المتعلق بطبيعة بنية المجتمع الأهلي، ومدى حيويته وتأثيره بنوعية الحياة للمواطنين، وعلاقتها بالمجتمعات الأخرى. فإن كل هذه الأبعاد تشير إلى اعتماد الحكم الصالح على تكامل عمل الدولة ومؤسساتها، بما في ذلك القطاع الخاص.
باختصار لابد للحكم الصالح من اعتماد  مجموعة من الأسس التنموية، والبشرية، والاقتصادية المستدامة والمتطورة منها، توسيع قدرات المواطنين وخياراتهم، بعيداً عن الجوع والحرمان، وبالتالي مشاركتهم الفعلية بالقرارات التي تتعلق بحياتهم، وتؤثر فيها. ومنها ضرورة التفاعل والتضامن والاندماج، بغاية الإشباع الذاتي الفردي، المؤسس على مفهوم الانتماء الوطني، الذي يتطلب العدالة في التوزيع. ومنها القدرة على تلبية حاجات الأجيال الحالية دون التأثير سلباً في حياة الأجيال اللاحقة، وحقها في العيش الكريم. ومنها الأمان الشخصي المتضمن الحق في الحياة بعيداً عن التهديد، والقمع، والتهجير، ومنها الحق في اكتساب المعرفة والثقافة، والحصول على التعليم… وهذا بمجمله لا يتحقق إلا بوجود إدارة للدولة تصيغ السياسات النوعية السليمة، وتطبيقاتها العادلة الموضوعة موضع التنفيذ في المجالات الاقتصادية، والسياسية، والإدارية.
تقاس مفاهيم الحكم الصالح بمعايير الانتقال من مرحلة المفاهيم النظرية، إلى مرحلة ابتكار الآليات العملية التطبيقية، التي تسمح تدريجياً بتطوير الإدارة، ورفع مستويات المحاسبة والمساءلة، والمشاركة، والشفافية، والاستقرار السياسي، وفاعلية الحكومة،  كما تقاس من خلال حكم القانون، وتنظيم الاقتصاد، ولجم الفساد، وإدارة القطاع العام، وخفض النفقات، وحسن الاستجابة، وتكافؤ الفرص… وفي هذا الإطار يمكن إدراج معايير أخرى تتمحور حول صيغة حكم مستقرة ديمقراطياً تتطلب نوعاً من التوافق السياسي والاجتماعي، المترافق مع تنظيم الحياة السياسية على أسس تنافسية سليمة، تحكمها الممارسة الديمقراطية في إطار دستوري.
يقابل هذه الخصائص للحكم الصالح، خصائص أخرى يتميز فيها الحكم غير الصالح ومنها، الفشل في الفصل الواضح والصريح بين المصالح الخاصة والمصالح العامة، وبين المال العام والمال الخاص، وبين استخدام الموارد العامة للصالح العام أو استغلالها للصالح الخاص، ومنها تجاهل القوانين وعدم تطبيقها إلا استنسابياً وتعسفياً، وبما يدفع نحو هدر الموارد المتاحة، وسوء استخدامها، ومنها الحكم المتميز بوجود أولويات تتعارض مع التنمية، وتدفع نحو القواعد الضيقة أو المغلقة، البعيدة عن الشفافة فيما يخص المعلومات، وعملية صنع القرار. ومنها تفشي الفساد، وانتشار آلياته وثقافته، بما في ذلك تفشي التسامح مع المفسدين.
من هذا المنطلق نستطيع أن نقول إن مفاهيم الحكم الصالح لا تزال في مراحلها الأولى في كثير من بلدان العالم النامي، ومنها البلدان العربية، بسبب الحاجة إلى التعاون، والتشارك  بين الحكومات المركزية، وهيئات الحكم المحلي، ومنظمات المجتمع الأهلي، للانطلاق معاً في تطبيق هذه المفاهيم. وهذا بدوره يفترض أن توفر هذه البلدان المناخ الصحيح الملائم للتشريعات التي تسمح بتطوير القدرات المحلية لهذه البلدان، أكان ذلك على مستوى السلطة، أم كان ذلك على مستوى الجماهير، من خلال خلق أطر الحوار والمتابعة بين السلطات المركزية، والسلطات المحلية.  وقبل كل ذلك لابد من توفر المناخ الذي يسمح بالمشاركة، ويشجع على الانخراط في منظمات المجتمع الأهلي، وفي توزيع الوظائف، والمسؤوليات، وقيام كل هذه الأطراف بدورها على الوجه الأكمل، ولا نبالغ إذا قلنا أنه في توفر كل هذه المعطيات تكون البدايات للاتجاه نحو الحكم الصالح.
من هنا لابد من التأكيد على خصوصية البلدان والمجتمعات العربية، بالمقارنة مع بقية بلدان ومجتمعات العالم المتقدم، والتي تميز الوطن العربي بخصوصيات منها،  سيادة نمط الدولة الريعية أو شبه الريعية، التي تعتمد على موارد أولية، أو مصادر تأتي من الخارج، أو تعتمد على الطلب الخارجي لسلعة أساسية مثل سلعة النفط والغاز، والفوسفات، أو تعتمد على السياحة، وتجارة الترانزيت، وتحويلات العاملين في الخارج، والقروض والاستثمارات الأجنبية.
بقي أن نقول أن مفاهيم الحكم الصالح تترجم بتفعيل المهارات، والكفاءات في جميع ميادين المجتمع، بغاية بناء الوطن، وتعزيز سيادته واستقراره، كما تترجم من خلال بناء مجتمع أخلاقي عادل، يجلّ حياة الإنسان، ويحافظ على كرامته. إنها مفاهيم علمية، أخلاقية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لا تعليقات